بنت الباشا في بورصة المشاهدات.

0 337

م.س بيان مراكش

أصبح جزء من النقاش العمومي في المغرب رهينا لمنطق الإستفزاز، حيث تقاس قيمة التحليل بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة ، و تثير خرجات توفيق بوعشرين الأخيرة تساؤلات مشروعة حول إنزلاق التحليل من وظيفة الفهم إلى منطق الجدل المفتعل.

فحين ينعت كل من يرفض الإهانة أو يستنكر المساس بكرامة المرأة بـالكتائب ، لا نكون أمام توصيف سياسي رصين ، بل أمام تبسيط مخل يحول الموقف الأخلاقي إلى تهمة و الدفاع عن الكرامة ، و يصبح قرينة على الإصطفاف، والغيرة المجتمعية تقدم كأنها تنظيم خفي ، وهو تأطير يفتقر إلى الدقة والإنصاف.

و اللافت أن هذا الخطاب لم يلق القبول الذي راهن عليه أصحابه ، فقد كشف تفاعل المغاربة مع هذه التصريحات عن معدن واضح … و المجتمع لم يتبن منطق التخوين، بل عبر بعفوية، عن رفضه للإهانة وتعاطفه مع فاطمة الزهراء المنصوري .

هذا التعاطف لم يكن إصطفافا سياسيا ، بل موقفا أخلاقيا يرفض المس بالكرامة، أيا كان المستهدف ،هنا تتهاوى أطروحة “الكتائب” فحين يدافع الناس عن الإحترام لا عن الأشخاص، نكون أمام وعي جماعي لا أمام تعبئة منظمة ، وهو ما يؤكد أن المجتمع المغربي، رغم كل التحولات لا يزال يمتلك حسا أخلاقيا يميز بين النقد المشروع والإنزلاق المهين.

و يمكن فهم هذا الأسلوب ضمن منطق إقتصاد المنصات الرقمية، حيث يكافأ الإستفزاز، ويضخم الجدل ويستثمر الإنقسام لرفع نسب المشاهدة ، غير أن السؤال الجوهري يبقى قائما هل يحق للسيد بوعشرين أن يضحي بالمسؤولية الفكرية من أجل المشاهدات ؟

إن الخلاف في الرأي حق مشروع، لكن إدارته بلغة تصنيفية تفرغ النقاش من معناه، وتحول التحليل إلى مادة إستهلاكية رخيصة ، فالمشاهدات عملة عابرة، أما المصداقية فباقية، والتاريخ لا يحتفظ بما أثير من ضجيج، بل بما قيل بقدر من الإتزان والإحترام والدروس تقاس بالخواتيم، لا بالضجيج المؤقت ، والسيد توفيق بوعشرين بما يحمله إسمه من حمولة رمزية، مطالب اليوم بأكثر من غيره بترميم الثقة لا بإختبار حدودها.

فالماضي، مهما حاول البعض تجاوزه، لا يغتفر بسهولة خصوصا حين يتعلق بملفات أخلاقية وإنسانية حساسة، كالتي توبع على خلفيتها، والتي تركت أثرا عميقا في الوعي العام ، لذلك فإن أي خطاب ينزلق إلى إهانة المرأة أو تبخيس الدفاع عن كرامتها، لا يقرأ بمعزل عن هذا السياق، ولا يستقبل ببراءة.

فالتحليل مسؤولية، والكلمة أمانة ، ومن يطلب من المجتمع أن يصغي إليه، عليه أول أن يحترم ذكاءه وحدوده الأخلاقية ، أما تحويل الغيرة إلى تهمة ، والإحترام إلى “كتيبة”، فليس طريقا إاستعادة المكانة، بل وصفة مؤكدة لمزيد من السقوط الرمزي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.