المنصوري في مواجهة الدريوش.. هل بدأ طلب العزل وهفوات تدبير تسلطانت في تفكيك نفوذ «الرجل»؟

0 2٬862

عبد العزيز اللاجي-

لم تعد الانتخابات التشريعية بدائرة مراكش المدينة سيدي يوسف بن علي مجرد مواجهة عادية بين فاطمة الزهراء المنصوري وعبد العزيز الدريوش. فالمعركة هذه المرة تجري في سياق مختلف، بعدما أصبح الدريوش مطالبا ليس فقط بالدفاع عن مقعده البرلماني، وإنما أيضا بالدفاع عن حصيلة سياسية وتدبيرية تعرضت للاهتزاز على خلفية ملف طلب عزله من مجلس جماعة تسلطانت.

فالرجل الذي ظل لسنوات يقدم باعتباره أحد أبرز الوجوه ذات الامتداد الانتخابي بتسلطانت، وجد نفسه أمام وضع غير مسبوق بعد تحريك مسطرة العزل وصدور حكم ابتدائي بعزله، قبل إيقاف تنفيذه في انتظار البت في الاستئناف، وهنا تحديدا قد تكمن إحدى نقاط التحول في مسار الدريوش السياسي.

فحتى إذا لم يحسم ملف العزل نهائيا من الناحية القضائية، فإن مجرد وصول تدبيره للشأن الجماعي إلى هذا المستوى من المنازعة القانونية من شأنه أن يضعف صورة المنتخب الذي كان يستمد جزءا كبيرا من قوته من معقله المحلي.

من «رجل تسلطانت القوي» إلى منتخب يدافع عن حصيلته

المشكلة بالنسبة للدريوش ليست في الحكم القضائي وحده، الأكثر أهمية سياسيا هو السياق الذي سبقه وما أثير حول تدبير الشأن المحلي بتسلطانت من ملاحظات ومؤاخذات وهفوات أصبحت مادة للنقاش السياسي والمحلي.
ولا ينبغي الخلط هنا بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القضائية؛ فالحكم الابتدائي بالعزل أوقف تنفيذه، والنزاع لم يحسم نهائيا، لكن الانتخابات لا تنتظر دائما الأحكام النهائية لكي تصنع آثارها السياسية.
فالناخب يحاسب أيضا على الصورة العامة للتدبير، وعلى تراكم الأخطاء، وعلى مدى قدرة المنتخب على الدفاع عن حصيلته. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن ملف العزل وجه ضربة إلى إحدى أهم أوراق الدريوش: صورة الرجل المسيطر على معقله السياسي في تسلطانت.

طلب العزل ليس مجرد ملف قضائي، سيكون من الخطأ اختزال ما وقع في مواجهة قانونية عابرة.

فعندما تصل الخلافات والمؤاخذات المتعلقة بتدبير مسؤول منتخب إلى إحالة ملف على القضاء الإداري وطلب عزله، فإن الضرر السياسي قد يبدأ قبل أن تصبح الأحكام نهائية، وهذا ما يجعل انتخابات 2026 اختبارا مختلفا للدريوش.
ففي 2021 كان الرجل يخوض الانتخابات مستندا أساسا إلى شبكته المحلية وقدرته على التعبئة.
أما اليوم، فهو مطالب أيضا بالإجابة عن سؤال أكثر إحراجاً: ماذا حدث في تسلطانت حتى انتقل النقاش من تقييم حصيلة المنتخب إلى طلب عزله من مهامه؟
وهو سؤال سيكون من حق منافسيه السياسيين طرحه، كما سيكون من حق الدريوش تقديم روايته والدفاع عن حصيلته وانتظار الكلمة النهائية للقضاء.

الهفوات التدبيرية قد تكون أخطر من العزل نفسه

وقد يكون التركيز فقط على الحكم القضائي مضللا في قراءة مستقبل الدريوش، فالخطر الانتخابي الحقيقي بالنسبة إليه قد لا يكون العزل في حد ذاته، وإنما تراكم الانطباع لدى جزء من الرأي العام المحلي بأن مرحلة تدبيره لم تعد بالقوة والصلابة اللتين ميزتا صورته سابقا.
في السياسة المحلية، لا يسقط النفوذ دفعة واحدة، يبدأ عادة بتراكم أخطاء صغيرة، ثم خلافات، ثم تراجع القدرة على ضبط التحالفات والشبكات المحلية، قبل أن تتحول تلك المؤشرات إلى تراجع انتخابي يظهر داخل صناديق الاقتراع، ومن هنا تكتسب الهفوات والمؤاخذات التي أثيرت حول تدبير تسلطانت أهميتها السياسية.
فإذا كانت صورة الدريوش قد تضررت بالفعل داخل جزء من قاعدته التقليدية، فإن انتخابات 23 شتنبر ستكون أول قياس حقيقي لحجم هذا التراجع.

تسلطانت قد تتحول من مصدر قوة إلى نقطة ضعف

هذه ربما أخطر معادلة بالنسبة للدريوش، فتسلطانت كانت إحدى المناطق التي يستمد منها الرجل ثقله السياسي، ولذلك فإن أي تراجع فيها ستكون دلالته أكبر من خسارة بضعة مئات من الأصوات في منطقة أخرى.
إذا تمكن الدريوش من حشد قاعدته التقليدية مجددا، فسيكون قد أثبت أن تداعيات ملف العزل والانتقادات الموجهة إلى التدبير لم تصل إلى حد كسر نفوذه الانتخابي.
أما إذا سجل تراجعا ملموسا، فسيكون من المشروع سياسيا القول إن طلب العزل لم يكن مجرد حادث قضائي عابر، بل تزامن مع بداية تآكل مرحلة كاملة من النفوذ المحلي، وعندها ستصبح تسلطانت، التي صنعت جزءا من قوة الدريوش، إحدى المناطق التي قد تكشف بداية تراجعه.

وهنا تدخل المنصوري من موقع أقوى

في الجهة المقابلة، لا تحتاج فاطمة الزهراء المنصوري إلى تحويل حملتها إلى محاكمة شخصية للدريوش، موازين القوى تمنحها أدوات أخرى.
فحزب الأصالة والمعاصرة سبق أن تصدر الدائرة سنة 2021 بـ 16.136 صوتا، مقابل 11.361 صوتا للاستقلال، أي أن المنصوري تبدأ أصلا من قاعدة انتخابية أقوى وفق آخر اقتراع تشريعي، ويضاف إلى ذلك ثقلها الحالي كعمدة لمراكش ووزيرة وقيادية وطنية في حزب الأصالة والمعاصرة.
وبالتالي، بينما يدخل الدريوش الانتخابات وهو مطالب بالمحافظة على قاعدته وترميم ما قد يكون أصاب صورته في تسلطانت، تدخل المنصوري من موقع هجومي يسمح لها بمحاولة توسيع الفارق، وهذا اختلاف جوهري.

الدريوش مطالب بالدفاع عن نفوذه، والمنصوري تملك ترف البحث عن توسيع نفوذها.

لا حاجة إلى «إزاحة» الدريوش خارج صناديق الاقتراع، ومن هنا أيضا تسقط فرضية أن المنصوري تحتاج إلى وسائل أخرى لإبعاد الدريوش.
إذا كان الدريوش قد فقد بالفعل جزءا من رصيده في تسلطانت نتيجة تراكم الانتقادات المرتبطة بالتدبير ووقع ملف العزل، فإن أفضل استراتيجية لمنافسيه هي ترك صناديق الاقتراع تكشف حجم هذا التراجع، فإسقاط منافس بحكم نهائي شيء، وإسقاطه بأصوات ناخبيه السابقين شيء آخر أكثر قوة من الناحية السياسية.

الدريوش أمام امتحان لم يعرفه سنة 2021

لهذا لا تبدو انتخابات 2026 نسخة ثانية من انتخابات 2021، آنذاك حصل الاستقلال على أكثر من 11 ألف صوت وتمكن الدريوش من الوصول إلى البرلمان.

اليوم تغيرت المعطيات.

هناك منافسة قوية تقودها المنصوري، وهناك خصوم آخرون يتنافسون على ثلاثة مقاعد فقط، وهناك قبل ذلك كله ملف عزل ألقى بظلاله على صورة الدريوش في المنطقة التي كانت تمثل إحدى أهم قواعده السياسية.
وإذا أضيف إلى ذلك ما يثار محليا بشأن هفوات ومؤاخذات مرتبطة بالتدبير، فإن الرجل يدخل الانتخابات وهو يحمل عبئا سياسيا لم يكن موجودا بالحجم نفسه في 2021.

هل بدأ فعلا سقوط الدريوش من تسلطانت؟

هذا هو السؤال الأهم، ليس لأن الدريوش صدر في حقه حكم نهائي يمنعه من ممارسة السياسة، فهذا غير صحيح في الوضع الحالي.
وليس لأن شعبيته اختفت، فلا توجد أرقام انتخابية جديدة تسمح بالجزم بذلك قبل الاقتراع.
ولكن لأن الشروط التي صنعت قوته السابقة لم تعد تبدو بالصلابة نفسها.
لقد تحول من منتخب يناقش خصومه مدى قوته الانتخابية إلى منتخب أصبح جزء من النقاش حوله متعلقا بطلب عزله وحصيلته وكيفية تدبير الشأن المحلي، وهذا التحول في حد ذاته له ثمن سياسي.

المنصوري أمام فرصة تاريخية

إذا أحسن حزب الأصالة والمعاصرة استثمار اللحظة انتخابيا دون الانجرار إلى التشهير أو تحويل النزاع القضائي إلى إدانة سياسية مسبقة، فقد تجد المنصوري أمامها فرصة نادرة، فالطريق إلى إضعاف الدريوش لا يمر بالضرورة عبر مهاجمته شخصيا.
يمر عبر اختراق المناطق التي كانت تمنحه قوته، واستقطاب الناخب المتردد، واستثمار أي تراجع في الثقة نتج عن تدبير المرحلة السابقة، ثم ترك الصندوق يقوم بالباقي.
وإذا خرجت نتائج 23 شتنبر بتصدر قوي للمنصوري، بالتزامن مع تراجع واضح للدريوش في تسلطانت وفقدانه مقعده، فسيكون من الصعب قراءة النتيجة باعتبارها مجرد خسارة انتخابية عابرة، ستكون أقرب إلى نهاية مرحلة سياسية.
مرحلة رجل بنى جزءا مهما من قوته في تسلطانت، قبل أن تتراكم الهفوات والمؤاخذات، ويأتي طلب العزل ليشكل نقطة تحول في صورته السياسية، ثم تأتي الانتخابات لتصدر حكمها الخاص عبر صناديق الاقتراع.
وعندها لن يكون السؤال: هل نجحت المنصوري في إزاحة الدريوش؟ بل، هل أسقطت المنصوري منافسها، أم أن أخطاء الدريوش وتدبيره لمرحلته في تسلطانت هي التي مهدت الطريق لسقوطه؟

خديجة الطالبي.. ورقة المنصوري الهادئة في التواصل مع المواطنين

وإذا كان الثقل السياسي والتنظيمي لفاطمة الزهراء المنصوري يشكل أحد أبرز عناصر قوتها في مراكش، فإن هناك عاملا آخر لا ينبغي إغفاله عند تحليل شبكة حضورها داخل المدينة والمجلس الجماعي، ويتعلق بالدور الذي تضطلع به خديجة الطالبي، مديرة ديوان عمدة مراكش.
فالسياسة المحلية لا تبنى فقط داخل الاجتماعات الحزبية ولا تقاس حصرا بعدد المقاعد والمنتخبين، بل تبنى أيضا من خلال العلاقة اليومية مع المواطن: الاستماع إلى مشاكله، استقبال شكاياته، توجيهه، ومساعدته في الوصول إلى المصالح المعنية وتتبع الملفات في حدود الاختصاصات القانونية والإدارية المتاحة.
ومن هذه الزاوية، استطاعت الطالبي، بحسب الصورة الإيجابية المتداولة عنها لدى عدد من المتعاملين معها، أن تشكل إحدى حلقات التواصل بين ديوان العمدة والمواطنين، مستفيدة من حضورها اليومي داخل المجلس الجماعي وقربها من الملفات التي تصل إلى الديوان.
ويحسب لها مؤيدوها والمتعاملون معها استعدادها للاستماع إلى المواطنين وتقديم المساعدة والتوجيه دون كلل، وهي خصال ساهمت في تكوين صورة إيجابية عنها داخل محيط المجلس ولدى شريحة من المرتفقين.
كما أن ما يوصف به تعاملها من هدوء وحسن استقبال وأخلاق حميدة منحها رصيدا إنسانيا يتجاوز طبيعة مهمتها الإدارية، خصوصا في مدينة كبيرة مثل مراكش حيث يصبح تعامل المسؤول أو عضو ديوانه مع المواطن جزءا أساسيا من الصورة التي يكونها هذا الأخير عن المؤسسة المنتخبة برمتها.

حين تتحول إدارة الديوان إلى قوة تواصل ميدانية

هنا تظهر أهمية الطالبي بالنسبة إلى المنصوري، فالعمدة والوزيرة والقيادية الحزبية لا تستطيع بطبيعة الحال استقبال كل مواطن أو تتبع كل طلب بنفسها. ومن ثم تصبح كفاءة المحيط المباشر بها وقدرته على التواصل والاستماع عنصرا مهما في بناء العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والمرتفقين.
وكل مواطن يدخل المجلس بمشكلة ويجد من يستمع إليه ويوجهه أو يتابع طلبه وفق المساطر القانونية، يمكن أن يخرج بانطباع إيجابي لا عن الموظف أو المسؤول الذي استقبله فقط، وإنما عن رئاسة المجلس نفسها.
بهذا المعنى، قد يكون العمل اليومي لخديجة الطالبي واحدا من عناصر القوة «الهادئة» للمنصوري: عمل أقل ظهورا في المنابر الإعلامية، لكنه أكثر اتصالا بالتفاصيل اليومية للمواطنين.
وهذه نقطة مهمة عند مقارنتها بنموذج النفوذ الانتخابي التقليدي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على شبكات الأعيان والعلاقات الموسمية التي تنشط بقوة مع اقتراب الانتخابات.
فالمنصوري تستطيع أن تراهن على نموذج مختلف: حضور سياسي في الأعلى، وتنظيم حزبي في الميدان، وقنوات تواصل يومية مع المواطنين داخل مؤسسة المجلس.

رصيد بشري لا يقل أهمية عن الرصيد الحزبي

وفي الانتخابات، قد يكون لهذا النوع من العلاقات أثر يصعب قياسه مسبقا بالأرقام، فالناخب لا يتذكر فقط المشاريع الكبرى والخطابات السياسية، يتذكر أيضا كيف عومل عندما قصد الإدارة، وهل وجد من يستمع إليه عندما كانت لديه مشكلة، وهل شعر بأن أبواب المؤسسة مفتوحة أمامه أم مغلقة.
وإذا كانت خديجة الطالبي قد استطاعت بالفعل بناء رصيد من الثقة لدى شريحة واسعة من المواطنين والمتعاملين مع المجلس، فإن هذا الرصيد يشكل بصورة غير مباشرة قيمة مضافة لفريق المنصوري.
وهنا يمكن فهم جانب آخر من أفضلية المنصوري في مواجهة عبد العزيز الدريوش.
فالمواجهة ليست بين شخصين فقط، وإنما بين شبكتين سياسيتين واجتماعيتين وطريقتين في بناء النفوذ المحلي.
الدريوش يمتلك رصيدا انتخابيا وعلاقات محلية قديمة، خصوصا في تسلطانت، لكن هذه القاعدة أصبحت أمام اختبار صعب بعد ملف طلب العزل وما رافقه من جدل حول التدبير والهفوات والمؤاخذات التي أثيرت بشأن المرحلة السابقة.
تدخل المنصوري المواجهة بثقلها الشخصي والحزبي والمؤسساتي، وإلى جانبها فريق يعمل على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع المواطنين، وتبرز داخله خديجة الطالبي باعتبارها إحدى الشخصيات القريبة من التدبير اليومي لديوان العمدة.

المعركة قد تحسم أيضا خارج التجمعات الانتخابية

وهذه ربما إحدى النقاط التي ينبغي ألا يستهين بها خصوم المنصوري، فالانتخابات لا تبدأ يوم انطلاق الحملة الرسمية، ولا تبنى الشعبية كلها خلال أسبوعين من التجمعات والملصقات والزيارات، جزء مهم من الرصيد السياسي يبنى خلال سنوات من التعامل اليومي مع المواطنين.
وإذا استطاعت المنصوري وفريقها تحويل هذا القرب المؤسساتي إلى ثقة انتخابية، بالتوازي مع استثمار الثقل التنظيمي لحزب الأصالة والمعاصرة، فإن المهمة ستصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى الدريوش.
فهذا الأخير سيكون مطالبا ليس فقط بالحفاظ على قاعدته التقليدية، وإنما باستعادة المبادرة في منطقة أصبح فيها ملف طلب العزل وما أثير بشأن التدبير جزءا من النقاش حول مستقبله السياسي.
وعندها تصبح المعادلة أكثر وضوحاً: المنصوري تدخل المعركة برصيدها السياسي والحزبي، لكنها تدخلها أيضا بفريق محلي يمثل واجهتها اليومية أمام المواطنين، ومن بين أبرز حلقاته خديجة الطالبي.
وإذا كان الدريوش يراهن على ما تبقى من قوة شبكته التقليدية وسمعته لدى أنصاره، فإن المنصوري تراهن على تركيبة أوسع: القيادة السياسية، والتنظيم الحزبي، والتدبير الجماعي، والقرب من المواطنين.
وقد يكون هذا التراكم، أكثر من أي مواجهة شخصية أو ملف قضائي، وهو العامل الذي يرجح الكفة في النهاية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.