بقلم: سمير بوزيد – نائب رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب وأحد مؤسسيها
مما لا شك فيه أن منظومة الصفقات العمومية في المغرب تواجه تحديات جسيمة في مجال الشفافية والمحاسبة. استناداً إلى التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات 2024 (صفحات 20-42)، يتبين أن 49.5% من مخالفات المجالس الجهوية و53% من مخالفات المجلس الأعلى تركز على الصفقات العمومية.
وتأسيساً على ذلك، تظهر مفارقة صارخة: رغم كفاءة أجهزة الكشف، إلا أن 81% من القضايا تنتهي بإبراء ذمة المتهمين. هذا إن دل على شيء إنما يدل على فجوة عميقة بين الكشف والمعاقبة.
وبناءً على البيانات الرقمية، بلغت قيمة العجز المحكوم به 54.85 مليون درهم، بينما لم تتعد الغرامات المفروضة 5 ملايين درهم فقط. وهذا يعني أن نسبة العقوبات لا تتجاوز 9% من قيمة الخسائر.
من جهة، يلاحظ أن 93% من متابعات المجالس الجهوية تستهدف الجماعات الترابية، ومن جهة أخرى، فإن 75% من متابعات المجلس الأعلى تركز على المؤسسات العمومية. هذا التوزيع يشير إلى تخصص في المتابعات حسب المستوى الإداري.
وتجدر الإشارة إلى أن 89% من أسباب العجز مرتبطة بالمداخيل، بينما 11% فقط ترتبط بالنفقات. وهذا يشير إلى أن المشكلة الرئيسية تكمن في ضعف التحصيل أكثر من التبذير.
وعلى المستوى العملي، تظهر عدة إشكالات متكررة:
1. عدم تحديد الحاجيات بدقة في الدراسات
2. تجاوز الصلاحيات في عمليات التفويض
3. تنفيذ النفقات قبل الالتزام بها
4. ضعف الرقابة على تنفيذ الالتزامات
وفي هذا الإطار، يكشف الجدول 1-3 (صفحات 35-40) عن قواعد قانونية مهمة، منها أن “التفويض يجب أن يشير صراحة إلى مهام الأمر بالصرف”، و”عدم تحديد أماكن الإنجاز بدقة يعد مخالفة”.
أما بالنسبة للتنفيذ، فوفقاً للجدول 6-1 (صفحة 17)، فإن 10% فقط من توصيات المجلس الأعلى نفذت كلياً، بينما 55% بقيت غير منجزة. في مقابل ذلك، نفذت المجالس الجهوية 47% من توصياتها الذاتية.
ومن الجدير بالملاحظة أن التحول الرقمي يقدم فرصاً للإصلاح، حيث سجلت المنصات الرقمية 535 حساباً لامادياً و414 بيناً محاسبياً للمؤسسات العمومية.
وفي مقام موازٍ للتحليل، تجدر الإشارة إلى توصيات تحليلية مستخلصة من التقرير نفسه:
أولاً: التوصيات الواردة في التقرير (صفحة 3):
1. تعزيز التحول الرقمي: مواصلة الاستثمار في المنصات الرقمية للإدلاء ومكتب الضبط
2. توسيع نطاق التكوين: التركيز على مجالات ناشئة مثل الرقابة البيئية والذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات
3. توثيق ونشر التجربة المغربية: الاستفادة من الموقع القيادي في المنظمات الدولية لنقل الخبرة
4. تعزيز التعاون جنوب-جنوب: مواصلة دعم بناء قدرات الأجهزة الرقابية الإفريقية والعربية
5. قياس الأثر: تطوير مؤشرات أداء واضحة لقياس تأثير الأنشطة الرقابية والتكوينية والدولية
ثانياً: الحلول الإجرائية المستخلصة من الجداول:
1. حوكمة الصفقات: تفعيل القواعد القانونية المستنبطة في الجدول 1-3 (صفحات 35-40)
2. تحسين التنفيذ: رفع نسبة تنفيذ التوصيات من 10% إلى مستويات أكثر فعالية
3. تعزيز الرقابة الداخلية: بناءً على الخلاصات التركيبية في الباب الثاني من التقرير
ثالثاً: آليات التطوير:
1. التكامل بين الأجهزة: التنسيق بين المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات
2. الاستفادة من التجارب الدولية: حسب التعاون الدولي المذكور في الفصل الثاني من الباب الثالث
3. الرقمنة الشاملة: تعميم استخدام المنصات الرقمية حسب مشاريع التحول الرقمي في الباب الثالث
وعليه، ينبغي تعزيز هذا التحول مع تطوير مؤشرات أداء واضحة لقياس تأثير الأنشطة الرقابية. ولعل من المفيد التأكيد على أن الرقابة الفعالة تحتاج إلى إرادة سياسية واستثمار مستمر في البنية التحتية والموارد البشرية.
خلاصة القول: رغم التقدم في كشف المخالفات، تبقى فجوة كبيرة في المعاقبة وتنفيذ التوصيات، مما يستدعي إصلاحاً شاملاً لمنظومة المساءلة لضمان حسن استخدام المال العام.
المصدر: التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات 2024، صفحات 3، 20-42، الجداول 1-1، 1-2، 1-3، 6-1