الأم ليست عبءا أبدا.

0 392

 

 

 

الهركال محمد

 

امضت حليمة حياتها معتنيةوراعية لابنها الوحيد معاذ ، فكانت له اما و ابا بعد رحيل زوجها وهي لازالت في ريعان شبابها حالمة له بمستقبل مشرق واعد.صبرت وعملت بلا كلل ولاملل كخياطة تخيط الملابس حتى وقت متأخر من الليل لتضمن له الطعام والتعليم.منحته كل شيء متأكدة انه سيبر بها حين يكبر عظمها وتشيخ.رفضت عروضا مغرية للزواج ،خيارها معاذ وتربيته.مضت الايام واصبح معاذ رجلا واشتغل في احدى الوظائف الحكومية. كان يحرص على العناية بامه يلبي طلباتها ولايقصر في شيء.عندما تزوج من سلسبيل ،استقبلتها حليمة كابنتها وفتحت لها صدرها وكلها امل ان تملأ المنزل دفئا ومحبة ومودة الا ان سلسبيل كانت تحمل نوايا ومقاصد اخرى.قالت لمعاذ ذات مساء:”لابد ان اكون معك صريحة وواضحة يامعاذ.لا استطيع البتة أن أعيش مع امك تحت سقف واحد،اريد مساحة خاصة بي.انا اضيق بها ولا يمكن ان نكونا متواجدتين معا في نفس المكان.”

كانت مباغتته بهذا الطلب الغريب صدمة مروعة.حاول اقناعها بان كلامها يجانب الصواب.”انها امي يا سلسبيل.ليس لها مكان اخر تذهب اليه.”قلبت شفتيها بازدراء و صاحت منفعلة:”يااخي ابحث لها عن مكان اخر.”تشتت به الامر وصعق كلما تخيل مشهد طرد امه.استمرت شكاوي زوجته وارهقته.انتابته الحيرة والتردد،فكيف سيصارح والدته ويحادثها في الموضوع.اخيرا استجمع شجاعته واعد نفسه لهذه الكبيرة.”امي”قال وهو يغصب على وجهه ابتسامة :”دعينا نخرج لنتمشى على شاطيء البحر ،الهواء سيفيدك حتما.”سر حليمة الأمر وهي لاتعلم شيئا عن خطة ابنها الحقيقية.لازالت تحتفظ بذكريات ابنها الصغير وهو يركض على الشاطئ.على هذه الرمال كان يتقافز فرحا وحبورا ويملا الدنيا بالضحكات حتى اذا ما تعب ارتكن على صدر امه ونام فتظل جامدة فوق المقعد حتى لاتوقظه مسندة راسه المسترخاة على فخديها.

سارا معا حتى وصلا الى مقعد هاديء بالقرب من الماء.قال معاذ وهو يسلمها ورقة مطوية:”انتظريني هنا ياامي.لن اتاخر عليك.احتفظي بهذه الورقة حتى اعود واخذك الى البيت.”عبست حليمة فقلب الام يدرك الخبايا ولايخطا الحدس .تحاشى نظرها ثم استدار ومشى بعيدا.جلست الام تنظر الى الامواج المضاءة بالقمر.مر وقت طويل دون ان يظهر الابن فانقبض قلبها واحست بانه رمى بها ككيس قمامة .احست ان برودة الليل والبحر تجمد اطرافها.لم تعد قادرة على تصديق ما نزل بها وتمنت ان يكون كابوسا ستستفيق منه بعد قليل.كان سؤال يلح عليها ويعصر قلبها:كيف طاوعه قلبه ان يقدم على هذا الامر؟

خلا المكان وإصاب حليمة خوف ووحشة عندما انحدر شاب يدعى بشير نحو الشاطيء.كان يعشق السكون ومناجاة البحر ليلا.حانت منه التفاتة فراى امرأة عجوز.لاحظ غرابة في الامر ،طريقة جلوسها الله بلا حراك.تقدم اليها وسال بلطف:”امي هل انت بخير ؟.”رفعت حليمة راسها واعتقدت لأول وهلة على انه معاذ .”انا هنا انتظر عودة ولدي وقد اقلقني تاخره.”لاحظ الشاب الورقة المطوية في حضنها.اخذها قراها.احمر وجهه واستبشع الأمر.اندهشت حليمة وسالته بإستغراب:”ماذا هناك ياولدي ؟”.سالها لحظة”من اعطاك هذه الورقة يا امي ؟”اجابت وقد زاد ارتباكها:”ابني.”

اعادت المرأة السؤال وقد جف حلقها.التفت الشاب إليها وقال باسى و حزن:”تقول هذه الورقة”اذا وجدتم هذه المرأة العجوز،يرجى وضعها في مأوى الشيوخ العجائز.”هوى قلبها وسال الدمع على وجنتيها المجعدتين.شد بشير شعر راسه غاضبا وقال:” تعالي معي ياامي لايمكنك البقاء هنا.ساخذك الى بيتي.”قالت بتردد:”لا اريد ان اكون عبءا عليك ياولدي.”أجابها بحزم:”الام ليست عبءا ابدا.”احست انها خرجت من النفق الذي زجهافيه ابنها.اومات براسها فساعدها على النهوض.

عاد معاذ الى بيته يوخزه الذنب على فعلته.جاءت لحظة بدا ينتقص من نفسه ويتساءل كيف وقع في براثن هذا الخطأ الجسيم لكن سرعان ما عاوده الارتياح عندما تذكر انه الان سيحظى برضا زوجته التي تخلصت من حماتها وصفا لها الجو وكانها اصبحت تملك البيت لوحدها لاول مرة.لكن سرعان ما بدات الامور تتدهور.اصبحت سلسبيل سريعة الانفعال تنتقد معاذ وتقلل من شانه وتسفه اراؤه.تحولت علاقتهما الدافئة الى اخرى فاترة.تعرض معاذ لضربة مالية عجز عن القيام منها فساءت أحواله و ضاق به الحال.

 

اتجه ذات صباح الى السوق المجاور وقد زاد همه وغمه.فجاة رأى أمه صحبة شاب وهو يسندهابرفق .راهما يقفان امام باءع التوابل ،تشير عليه العجوز وهويمتثل لامرها.لاحظ معاذ ان وجه امه لم يكن حزينا متعبا كما كان في السابق بل هادئا تعلوه قرمزية الراحة والهناء .تحركا قليلا فقام الشاب بتعديل وارساء الوشاح على كتفيها. كان قلب معاذ يخفق بقوة.هذه امه بلحمها وعظمها ،حية ترزق صحبة شاب في عمره.لم تكن في ماوى الشيوخ العجائز .اعتراه الخجل وغشيه الذل والهوان .”امي!”نادى معاذ بصوت كانه خارج من قرار عميق.تجمدت حليمة في مكانها ثم استدارت نحوه.وقفا كصنمين لفترة طويلة استحال التخاطب بينهما.لم يكن لدى حليمة اي شوق ولا اي لهفة.ابتلع معاذ ريقه وشعر بخزي وعار.لقد وجدت امه ابنا اخر-ابنا بر بها واكرمها.ارتجف صوته وهو يتحدث اليها:”انا فقط اريد ان اعرف هل انت بخير.”ألقت عليه نظرة طويلة متفحصة كما لوكانت تريد ان تتاكد هل ذلك ابنها معاذ.قالت بهدوء:” انا بخير.”لم تزد على ذلك شيئا.لم تغضب ،لم تعاتب ولم تدعو باي سوء.اراد معاذ ان يقول شيئا لكن التجم لسانه وانحبست الكلمات في حلقه.لقد تخلى عنها ولاحق له فيها الان.اومات براسها وواصلت السير مع بشير الذي ادرك الأمر.ظل معاذ يراقبهما وهما يبتعدان.احس بخناجر الندم والجحود تنغرس في قلبه.تمنى أن يظفر بنظرة منها توحي له بالصفح عن امر فرض عليه قسرا.

في تلك الليلة جلس معاذ وحيدا في غرفته المظلمة.كانت سلسبيل بعيدة عنه وبالكاد تتحدث اليه.شعر بفراغ وضياع في بيت بلا روح.لقد ضحى بامه ونبذته زوجته والان فقد الاثنتين.ادرك انه ودع اجزاءامنه الى الابد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.