بين الثوابت والتوابيت
بين الثوابت والتوابي
الثقافة والفن في المستقبل الذي لم يعثر بعد على عنوانه
رسالة مفتوحة إلى الحكومة الجديدة
بقلم سعيد ودغيري حسني
السادة أعضاء الحكومة الجديدة
تحية ثقافية تليق بمقامكم
أكتب إليكم بصفتي شاعرا ومسرحيا وسيناريست مغربيا قضى سنوات من عمره وهو يؤمن بأن الثقافة ليست ترفا وأن الفن ليس فقرة إضافية في برنامج الاحتفالات وأن الفنان ليس كائنا لا يتذكره المجتمع إلا حين يحتاج إلى أغنية أو قصيدة أو صورة جميلة
وأكتب إليكم أيضا بصفتي مواطنا بدأ يشعر بأن المستقبل أصبح واسع الأبواب لكنه قليل العناوين
فكلما سألنا عن مستقبل الثقافة قيل لنا إن هناك مشاريع وبرامج ومبادرات
وكلما سألنا عن الفنان قيل لنا إن هناك مساطر وشروطا وملفات
وكلما سألنا عن شيخوخة الفنان قيل لنا إن الموضوع يحتاج إلى دراسة
وهكذا أصبح الفنان يعيش بين ثلاثة أزمنة
ماض يتذكر فيه ما قدمه
وحاضر يحاول فيه أن يعيش
ومستقبل ينتظر فيه أن تنتهي الدراسة
ههههههههه
السادة الوزراء
لا ننكر أن هناك برامج لدعم المشاريع الثقافية والفنية وأن المبادرات المؤسساتية موجودة ولكن السؤال الذي نطرحه هو كيف ننتقل من دعم المشاريع المتفرقة إلى سياسة ثقافية مستدامة تحفظ كرامة المبدع وتضمن استمرارية الإنتاج وتصل بالثقافة إلى كل المغاربة
نريد أن نعرف هل سيكون للفنان مكان واضح في الرؤية التنموية المقبلة أم سيظل ينتظر أن يتذكره المستقبل في آخر اجتماع
أولا — كرامة الفنان ليست مشروعا موسميا
الفنان لا يحتاج إلى التصفيق فقط بل يحتاج إلى شروط مهنية واجتماعية تحفظ كرامته
نريد عملا جديا على توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى التغطية الصحية والتفكير في آليات واقعية للتقاعد ومواكبة الفنانين الذين انقطع عنهم العمل
فالفنان الذي أفنى عمره في خدمة الذاكرة الجماعية لا ينبغي أن يجد نفسه في آخر الطريق مضطرا إلى الاعتماد على ذاكرة الآخرين
ثانيا — الثقافة اقتصاد وليست مجرد مصروف
يمكن للأغنية والمسرح والسينما والكتاب والصناعات الإبداعية أن تخلق فرص عمل وأن تساهم في السياحة وأن تمنح الشباب مسارات مهنية جديدة
ولذلك نحتاج إلى تشجيع الإنتاج والتوزيع والتسويق والتكوين والاستثمار الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص
فليس من المعقول أن نطالب الفنان بأن يعيش من فنه ثم نتركه يبحث وحده عن السوق والجمهور والممول
ثالثا — ماذا سنقدم للعالم في أفق 2030
إذا كنا نستعد لاستقبال العالم في المغرب فإن السؤال لا يتعلق فقط بالملاعب والفنادق والطرقات
بل يتعلق أيضا بما سيجده الزائر من مسرح وسينما وموسيقى وتراث حي وحكايات مغربية قادرة على أن تسافر إلى العالم
نريد الفنان المغربي شريكا في تقديم صورة بلاده لا مجرد متفرج على نجاح المناسبة
نريد إنتاجات مغربية قابلة للترويج دوليا ومشاريع تستثمر في الذاكرة والهوية وتمنح الشباب فرصة المشاركة والإبداع
رابعا — الثقافة لا ينبغي أن تتوقف عند أبواب المدن الكبرى
هناك مواهب في القرى والمناطق النائية والأحياء الشعبية لا ينقصها الإبداع بقدر ما ينقصها التكوين والفضاء والفرصة
نريد مسارح قريبة من الناس ومراكز ثقافية نشيطة وبرامج للقراءة وورشات في السيناريو والتصوير والموسيقى والمسرح
فليس كل موهوب قادرا على السفر إلى العاصمة ليطرق باب المستقبل
خامسا — نريد أجوبة قابلة للقياس
نقترح حوارا وطنيا يجمع الحكومة والمهنيين والنقابات والجمعيات والمنتجين والمبدعين الشباب لوضع تصور ثقافي متعدد السنوات
تصور يحدد الأولويات والميزانيات والآجال ومؤشرات النتائج
حتى لا تبقى الثقافة موضوعا جميلا في الخطابات وموضوعا مؤجلا في جداول الأعمال
السادة أعضاء الحكومة
لا نطلب منكم أن تحولوا كل شاعر إلى وزير ولا كل مسرحي إلى مدير مؤسسة ولا كل سيناريست إلى صاحب شركة
نطلب فقط أن تجعلوا للفنان مكانا واضحا في مشروع التنمية
أما المستقبل غير المعلوم الذي تحدثنا عنه في العنوان فربما لم يكن مجهولا تماما
ربما كان ينتظر فقط أن يفتح أحدهم بابا للثقافة ويكتب فوقه
هنا يبدأ المستقبل
وإذا لم نعثر بعد على عنوان قار لهذا المستقبل فلا بأس
يمكننا أن نبدأ بخريطة طريق
أما التابوت فدعونا نتركه بعيدا عن الثقافة
فالأفكار تحتاج إلى من يرعاها لا إلى من يقرأ عليها الفاتحة
والفنان يحتاج إلى حياة كريمة لا إلى تكريم متأخر
والثقافة تحتاج إلى قرار مستمر لا إلى موعد عابر في أجندة الاحتفالات
وفي انتظار الجواب سأظل أكتب
فالشاعر حين لا يجد عنوانا للمستقبل يصنعه بالكلمات
وحين يضيق به الواقع يفتح نافذة في النص
وحين يكثر الكلام عن الثقافة يظل السؤال البسيط قائما
من سيمنح الفنان فرصة العيش من إبداعه قبل أن يصبح إبداعه مجرد ذكرى
مع كامل الاحترام للحكومة وللمؤسسات ولجميع العاملين من أجل مغرب أفضل
سعيد ودغيري حسني
الشاعر الغنائي والمسرحي والسيناريست
كتب يوم الاعلان عن تشكيل الحكومة