محمد سيدي: بيان مراكش
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتزايد فيه التحديات الجيوسياسية ، لم تعد العلاقات بين الدول تقاس فقط بحجم الإتفاقيات الموقعة ، بل بقدرتها على بناء الثقة ، وترسيخ الحوار ، وتحويل التفاهم السياسي إلى شراكات إستراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل.
ويندرج إستقبال السيد عبد الرحمان وفا ، أمين مجلس المستشارين ، يوم الإثنين 26 أكتوبر 2026 ، وفدا عن اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) ، برئاسة جيسون إيزاكسون ، بمقر المجلس بالرباط ، ضمن الدينامية المؤسساتية التي تعكس إنخراط المغرب في تعزيز جسور الحوار والتعاون مع شركائه الدوليين ، ويعكس هذا اللقاء في دلالاته الدبلوماسية والمؤسساتية ، أهمية الدور الذي يضطلع به السيد عبد الرحمان وفا في مواكبة إنفتاح المؤسسة التشريعية على الفاعلين الدوليين ، بما يقتضيه ذلك من رصانة في التواصل ، ووعي بحساسية القضايا المطروحة ، وقدرة على إبراز ثوابت المملكة ومواقفها الإستراتيجية بلغة مسؤولة ومتزنة ، فنجاح الدبلوماسية المؤسساتية لا يرتبط فقط بمضمون اللقاءات ، بل كذلك بكفاءة من يؤطرها ، وبقدرته على الجمع بين حسن التمثيل ، ووضوح الرؤية وإستحضار المصالح العليا للوطن، وهي مقومات تمنح مثل هذه المبادرات قيمة مضافة في مسار توطيد العلاقات المغربية الأمريكية وتعزيز حضور المملكة في فضاءات الحوار الدولي .
إن متانة العلاقات المغربية الأمريكية ليست وليدة ظرف سياسي عابر ، بل هي إمتداد لتاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية ، التي إكتسبت مع مرور الزمن أبعادا إستراتيجية وإقتصادية وسياسية متجددة ، فالعلاقات الدولية الرصينة لا تقوم على المصالح الآنية وحدها، وإنما تتغذى أيضا من إستمرارية الثقة ، ووضوح المواقف والقدرة على تدبير الإختلاف ضمن منطق الحوار المسؤول.
وقد شكل اللقاء مناسبة لاستعراض التحولات السياسية والمؤسساتية التي تعرفها المملكة المغربية الشريفة ، إلى جانب الأولويات الإقتصادية والإجتماعية المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027 ، في إشارة إلى أن قوة الدولة لا تتجلى فقط في حضورها الدبلوماسي ، بل كذلك في قدرتها على تحقيق التنمية ، وتعزيز العدالة الإجتماعية، والإستجابة لتطلعات المواطنين.
وفي قلب هذا النقاش ظلت قضية الصحراء المغربية قضية وطنية محورية ، ترتبط بالوحدة الترابية للمملكة وبحقها في الدفاع عن مصالحها الإستراتيجية ، وقد جرى التأكيد على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بإعتبارها مقترحا لتسوية سياسية للنزاع ، في إطار إحترام السيادة الوطنية والجهود الرامية إلى التوصل إلى حل نهائي ومستدام ، كما يبرز دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية الشريفة ، في العلاقات مع الشركاء الدوليين ، أهمية الدبلوماسية القائمة على التراكم، وتوضيح المواقف ، وتعزيز أوجه التعاون المشترك.
ولا تقل رمزية البعد الثقافي والإنساني أهمية عن البعد السياسي ، فالمغرب بما راكمه من تاريخ في التعايش والتعددية الدينية والثقافية ، يقدم نموذجا تتقاطع فيه الهوية الوطنية مع الإنفتاح، وتلتقي فيه أصالة الجذور مع مقتضيات العيش المشترك ، فالتسامح ليس مجرد شعار للإستهلاك الدبلوماسي، بل قيمة حضارية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى ممارسة يومية تحمي كرامة الإنسان وتكرس إحترام الإختلاف.
كما أن الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية الشريفة ، تعكس إرتباط التنمية بالإستقرار ، وتؤكد أن الرهان على المستقبل لا ينفصل عن الإستثمار في البنيات التحتية والفرص الإقتصادية وتحسين شروط العيش ، فالتنمية في جوهرها ، ليست أرقاما ومشاريع فحسب ، بل هي قدرة المجال على إحتضان الإنسان ، وتوسيع آفاقه وتحويل الإمكانات إلى فرص ملموسة.