م . س : بيان مراكش
لم تعد الحياة الجامعية بالمغرب مجرد مرحلة عابرة في مسار التكوين الأكاديمي، بل أضحت تجربة إجتماعية متكاملة، تتداخل فيها الطموحات العلمية مع الإكراهات الإقتصادية، وتتقاطع فيها آمال الشباب في بناء مستقبل أفضل مع واقع معيشي يفرض تحديات يومية لا يمكن تجاهلها… فخلف مدرجات الجامعات المغربية، من الرباط والدار البيضاء إلى فاس ومراكش ووجدة وأكادير، يوجد طلبة يحملون أحلام أسرهم وتطلعاتهم ، لكنهم يجدون أنفسهم أحيانا أمام أسئلة يومية تتعلق بكلفة السكن ، ومصاريف النقل ، وأسعار المواد الغذائية ، وتوفير أبسط مستلزمات الدراسة.

بالنسبة إلى الطالب الذي يغادر مدينته أو قريته لمتابعة دراسته في إحدى الجامعات ، لا تبدأ المعركة الحقيقية داخل قاعة الإمتحان فحسب ، بل قد تبدأ منذ البحث عن غرفة مناسبة للسكن ، أو تدبير مصروف يومي محدود ، أو التنقل بين الحي الجامعي والكلية في ظروف تستنزف الوقت والجهد ، وفي ظل إرتفاع تكاليف المعيشة، يصبح تدبير الميزانية الشخصية جزءا من يوميات الطالب ، وقد يتحول أحيانا إلى مصدر للقلق يؤثر في تركيزه وإستقراره النفسي وقدرته على مواصلة التحصيل العلمي.
وتكتسي هذه الإشكالية خصوصية أكبر في المجتمع المغربي، حيث تتحمل أسر عديدة تضحيات مادية ومعنوية كبيرة من أجل تمكين أبنائها من متابعة الدراسة الجامعية ، فهناك أسر تقطع جزءا مهما من دخلها لتأمين مصاريف الدراسة، وأولياء أمور يراهنون على نجاح أبنائهم بإعتباره مدخلا لتحسين أوضاعهم الإجتماعية ، وطلبة يضطرون إلى الإقتصاد في حاجياتهم الأساسية حتى لا يثقلوا كاهل أسرهم بأعباء إضافية.
و هنا الحديث عن الطالب الجامعي هو أيضا حديث عن الأسرة المغربية، وعن قدرتها على الصمود أمام الضغوط الإقتصادية، وعن إيمانها الراسخ بأن التعليم يظل أحد أهم مسارات الإرتقاء الإجتماعي.
ولا يمكن إختزال معاناة الطلبة في ضعف الموارد المالية وحده، لأن المسألة ترتبط كذلك بمدى تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات الإجتماعية والمجالات الترابية ، فالطالب القادم من قرية نائية أو من أسرة محدودة الدخل لا ينطلق بالضرورة من الشروط نفسها التي ينطلق منها طالب تتوفر له إمكانات مادية مريحة، وقد تتحول الفوارق في ظروف السكن والتغذية والولوج إلى المراجع والوسائل الرقمية إلى تفاوتات في فرص النجاح، بما يجعل العدالة التعليمية مرتبطة إرتباطا وثيقا بالإنصاف الإجتماعي والمجالي.
إن الجامعة المغربية، بإعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات وتأهيل الشباب للمشاركة في التنمية الوطنية، لا يمكن أن تؤدي رسالتها كاملة بمعزل عن الظروف المعيشية لطلبتها، فالجودة الأكاديمية لا تتحدد فقط بمستوى التكوين والمناهج والبنيات الجامعية، وإنما تتأثر أيضا بمدى قدرة الطالب على متابعة دراسته في بيئة تحفظ كرامته وتمنحه الحد الأدنى من الإستقرار ،ومن ثم فإن توفير السكن الجامعي اللائق، وتحسين خدمات الإطعام، وتيسير النقل، وتطوير نظام المنح والمساعدات الإجتماعية، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل مكونات أساسية لسياسة تعليمية تسعى إلى تحقيق الإنصاف والحد من الهدر الجامعي.
و هنا تبرز أهمية تعزيز السياسات العمومية الموجهة إلى الطلبة، من خلال إعتماد مقاربة تراعي تفاوت الحاجيات والظروف الإجتماعية ، وتضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر إستحقاقا وفق معايير واضحة وشفافة ،كما أن تحسين الخدمات الإجتماعية الجامعية ينبغي أن يسير جنبا إلى جنب مع تطوير جودة التكوين، وتقوية المواكبة الأكاديمية ، وتوسيع فرص التدريب والتأهيل المهني ، حتى لا يظل الطالب محاصرا بين صعوبة تدبير الحاضر والقلق بشأن المستقبل .
وفي المقابل فإن معالجة هذه التحديات لا تقع على عاتق المؤسسات الحكومية وحدها ، بل تستدعي تعبئة جماعية تشمل الجامعات والجماعات الترابية والأسر والقطاع الخاص ومكونات المجتمع المدني ، فالتعاون بين هذه الأطراف يمكن أن يفتح المجال أمام مبادرات عملية في مجالات النقل والسكن والتوجيه والتدريب ، وأن تعزز ثقافة التضامن داخل الوسط الجامعي ، كما يظل الإنصات إلى صوت الطلبة وإشراك ممثليهم في مناقشة قضاياهم شرطا ضروريا لبناء حلول واقعية تستجيب لحاجياتهم الفعلية.
إن الرهان على الطالب المغربي هو رهان على مستقبل البلاد، فالشباب الذين يجلسون اليوم في مدرجات الجامعات هم أطر الغد، ومدرسوه وأطباؤه ومهندسوه وباحثوه، وهم أيضا المواطنون الذين ستسند إليهم مسؤولية المساهمة في تطوير الإقتصاد الوطني وتعزيز المؤسسات وخدمة المجتمع، ولذلك فإن الإستثمار في ظروفهم المعيشية ليس نفقة إجتماعية فحسب، بل إستثمار إستراتيجي في الرأسمال البشري، وفي قدرة المغرب على بناء نموذج تنموي يجعل من المعرفة والكفاءة والإنصاف ركائز للتقدم.
وفي المحصلة لا ينبغي أن يترك الطالب المغربي وحيدا في مواجهة أعباء المعيشة ، ولا أن تتحول الصعوبات المادية إلى حاجز يفصل بينه وبين حقه في التعلم وتحقيق طموحاته، فالمغرب الذي يطمح إلى جامعة قوية، وبحث علمي متطور، وشباب مؤهل للمنافسة والإبداع، مطالب بجعل كرامة الطالب وإستقراره جزءا لا يتجزأ من أولوياته الإجتماعية والتربوية.