محمد سيدي : بيان مراكش
في الحوار الذي أجرته فاطمة الزهراء المنصوري في برنامج Touil Talks ، شكل محطة مهمة في نقاش ملف تسلطانت، ليس لأنه أنهى الجدل بقرار إداري أو سياسي، وإنما لأنها قدمت سردية مفصلة ومؤطرة بالتواريخ والمعطيات التي سمحت بإعادة ترتيب الوقائع أمام المتابعين .
في الحياة العامة لا تغلق الملفات بالشعارات ولا بالمواقف المسبقة ، وإنما بقوة الأدلة وإنسجام الرواية مع تسلسل الأحداث ، لذلك يبدو أن ملف تسلطانت وصل إلى درجة من الوضوح جعلت هامش التأويل أضيق بكثير مما كان عليه في السابق ، فحين تتوفر التواريخ وتعرض الوقائع ضمن سياقها الكامل ، يصبح النقاش أكثر إرتباطا بالحقائق وأقل خضوعا للإنطباعات ، ولهذا يمكن إعتبار أن الجانب الأكبر من الإلتباس الذي أحاط بهذا الملف قد تبدد ، وأن الحجج المقدمة كانت كافية لإقناع جزء مهم من الرأي العام بأن القضية قد إستنفدت ما يكفي من النقاش .
غير أن هذا الإستنتاج لا ينبغي أن يتحول إلى منطق إنتصار شخص على آخر ، لأن السياسة ليست مباراة تنتهي بإعلان فائز ومهزوم ،و السياسة لا تختبر فقط عندما تكون المعطيات في صالح صاحبها ، بل تختبر أيضا في طريقة عرضها وإقناع الناس بها ، خصوصا و الملف موضوع الجدل يرتبط في جوهره بمعطيات ذات طابع عائلي وشخصي تخص فاطمة الزهراء المنصوري وعائلتها بالدرجة الأولى كمواطنة ، و كان من الأجدر أن يترك المجال لأصحاب العلاقة المباشرة لتقديم التوضيحات والمعطيات المرتبطة به كما فعلت الآن الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري ، لأن قوة أي توضيح تكتسب مشروعيتها من قرب صاحبها من الوقائع وقدرته على الإجابة عن تفاصيلها ، و ليست كل القضايا مناسبة للترافع بالنيابة عن الآخرين بشكل رسمي عبر الإعلام ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات ذات أبعاد عائلية أو شخصية فكلما تعدد المتحدثون حول القضية نفسها ، إزدادت إحتمالات التشويش على الرسالة الأصلية ، حتى وإن كانت النوايا حسنة ، لذلك بدا أن دخول سمير كودار على خط هذا الملف لم يكن الخيار الأكثر توفيقا من الناحية التواصلية ، ليس لأن من حقه إبداء رأيه أو الدفاع عن موقفه السياسي، وإنما لأن طبيعة الملف كانت تقتضي أن تأتي الإجابات من الأطراف المعنية مباشرة.
وإذا كانت السياسة تقاس أحيانا بقدرتها على تدبير الجدل، فإنها تقاس في أحيان كثيرة بقدرتها على الإستجابة لحاجات الناس الملموسة ، و هنا تبرز أهمية الجزء المتعلق بالسكن والدعم العمومي في هذا الحوار ، لأنه ينقل النقاش من عالم التنافس السياسي إلى عالم السياسات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر ، فالسكن ليس مجرد رقم في برنامج حكومي ، بل هو أحد المؤشرات الأساسية على مدى نجاح الدولة (ورازة الإسكان) في تحويل النمو الإقتصادي إلى شعور جماعي بالأمان والإستقرار ، فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يتجاوز الأشخاص نحو السياسات العمومية نفسها .
فحديث الوزيرة عن حرية الأسعار ينسجم مع منطق السوق من حيث المبدأ ، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابا مشروعا للتساؤل حول مدى إحترام جميع الفاعلين للقواعد التي تؤطر هذه الحرية ، فالسوق لا تكون حرة بالمعنى السليم إلا عندما تكون أيضا شفافة وعادلة ، ومن هنا يبرز النقاش المتكرر حول بعض الممارسات التي يتحدث عنها المواطنون والمتتبعون ، والمتعلقة بالفارق أحيانا بين الأسعار المصرح بها رسميا والأسعار التي يتم تداولها فعليا خارج الأطر القانونية ، وهي ممارسات (إن ثبتت) لا تنسجم مع روح القانون ولا مع فلسفة الدعم العمومي التي تقوم على الوضوح وتكافؤ الفرص من طرف بعض المنعشيين العقاريين سامحهم الله .
وفي المقابل تبرز نماذج لمؤسسات إلتزمت بحسب ما هو متداول ومعروف ، بالمساطر القانونية والأسعار المعلنة ، وهو ما جعلها تحظى بقدر متزايد من ثقة المواطنين ، ولعل مؤسسة (العمران) تمثل بالنسبة لعدد من الأسر خيارا مطمئنا لما توفره من وضوح في المعاملات وإلتزام بالإطار القانوني المنظم لعمليات البيع والإستفادة من الدعم ، ولهذا لم يعد المواطن اليوم يبحث فقط عن سكن ، بل عن الثقة أيضا فكلما إرتفعت درجة الشفافية والوضوح ، إرتفعت معها جاذبية العرض العقاري ، ويبقى من بين الملاحظات التي تستحق الإلتفات إليها من طرف السيدة الوزيرة ، موضوع عدد المحاولات المتاحة داخل منصة الدعم ، فبعض المواطنين يستنفدون فرصهم بسبب أخطاء تقنية أو بسبب عدم إلمامهم الكامل بمراحل المسطرة ، خاصة أن كثيرين يباشرون إدخال المعطيات قبل إستشارة الموثق ، ولذلك يأمل المواطنون من السيدة الوزيرة دراسة هذا الإشكال وإيجاد صيغة أكثر مرونة تسمح بتصحيح الأخطاء غير المقصودة وتمنح عدة فرص إضافية للمواطنين لوضع طلباتهم بالمنصة الرقمية ،إنسجاما مع الهدف الأساسي من البرنامج ، وهو تسهيل الولوج إلى السكن اللائق .
… غير أن الحديث عن مدينة مراكش، فإن الأرقام التي قدمتها العمدة فاطمة الزهراء المنصوري بشأن مئات المشاريع المنجزة أو التي توجد في طور الإنجاز تعكس بلا شك دينامية تنموية مهمة تشهدها المدينة خلال السنوات الأخيرة ، بعيدا عن المزايدات السياسية والشعبوية ، تبقى عنصرا أساسيا في تقييم حصيلة أي تجربة تدبيرية ، و صحيح أن هذه الدينامية لا تعني غياب بعض الإخفاقات أو التأخر في معالجة عدد من الملفات التي ما تزال تنتظر حلولا أكثر نجاعة ، وهو أمر طبيعي في أي تجربة تدبيرية تواجه تحديات مدينة بحجم مراكش وتعقيداتها ، غير أن الإنصاف يقتضي الإعتراف بأن المدينة تعرف أوراشا متعددة في مجالات البنية التحتية والتأهيل الحضري والخدمات الأساسية ، وهي أوراش سيكون الحكم النهائي عليها مرتبطا بمدى إنعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين وهنا يبرز أيضا دور التواصل المؤسساتي في تقريب هذه المشاريع من الرأي العام ، ولعل من بين الملاحظات التي يتداولها عدد من المتابعين للشأن المحلي بمراكش أن النائب الأول للعمدة الدكتور الشريف محمد الإدريسي إستطاع أن يحافظ على حضور تواصلي منتظم في وقت إختار فيه بعض النواب الإبتعاد عن واجهة التواصل مع المواطنين رغم إشرافهم على قطاعات تلامس الحياة اليومية للساكنة .
عموما قد يختلف الناس في تقييم الأشخاص والقرارات ، وقد تستمر بعض النقاشات السياسية بحكم طبيعتها ، لكن ما يبقى أكثر أهمية هو أن تتحول الحوارات العمومية إلى فرصة لتوضيح الحقائق وتقوية الثقة بين المسؤول والمواطن ، فحين يكون النقاش مبنيا على المعطيات والوقائع ترفع ، وحين تتجه الجهود نحو معالجة الإشكالات الحقيقية التي تهم المواطنين، يصبح الاختلاف مصدر إثراء لا سببا للانقسام.
ومراكش اليوم وهي تستعد لاستحقاقات وطنية ودولية كبرى، تحتاج إلى إستمرار هذه الدينامية التنموية وإلى مزيد من الإنخراط الجماعي من مختلف الفاعلين، لأن نجاح المدينة لا ينسب إلى شخص أو مؤسسة بعينها ، بل هو ثمرة تضافر جهود الجميع و يبقى الحكم الحقيقي لأي تجربة تدبيرية هو الأثر الذي تتركه في حياة الناس، وكل مشروع ينجح في تحسين جودة العيش وتعزيز الثقة في المستقبل يمثل خطوة إضافية في المسار الصحيح .