✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
«ليس عسيرا أن تشيّد بناية ترتفع إلى 250 مترا،
لكن العسير حقا… أن تشيّد وطنا يرتفع بأبنائه».
يقف برج “محمد السادس” اليوم شامخا، يخترق سماء الرباط وسلا، كأنه إعلان صاخب بأن المغرب ولج نادي الكبار.
عدسات تلمع، خطابات ترتب بعناية، ومشهد ٱحتفالي مكتمل الأركان ليقال لنا:
(ٱنظروا… نحن نتقدم).
لكن السؤال الذي لا يظهر في الكاميرا:
إلى أين؟
أيّ تقدم هذا الذي يقاس بعلو الإسمنت، لا بعلو الكرامة؟
وأي مجد هذا الذي يصاغ من زجاج لامع، بينما في الجهة الأخرى عيون مطفأة، أثقلها العوز وأرهقها الإنتظار؟
في الأسفل، حيث لا تصل عدسات الاحتفال، مغرب آخر لا يرى.
مغرب تدم فيه البيوت، ويهجر فيه المواطن، ويُقتلع فيه التلميذ من فصله في منتصف السنة الدراسية.
مغرب لا يعرف من العلو إلا ٱرتفاع الأسعار، ولا من الإستثمار إلا مزيدا من الضغط على جيب أنهكته الضرائب والغلاء.
ثم يقال لنا:
– هذا هو المستقبل؟!
لكن أي مستقبل يبنى فوق واقع هش؟
– وأي رؤية هذه التي تلمع الواجهات، وتترك الأساسات تتآكل في صمت؟
ليس البرج مجرد مشروع معماري، بل هو في عمقه رسالة.
غير أنها رسالة ملتبسة:
هل تقول إن المغرب قوي لأنه يرفع أعلى برج؟
أم تكشف، دون قصد، أنه لم ينجح بعد في تحقيق التوازن بين ما يعرض وما يعاش؟
المعضلة ليست في البرج ذاته،
بل في التوقيت… في ترتيب الأولويات…
في هذا الشرخ المتّسع بين مغربين:
مغرب يقدم للعرض الدولي بواجهة مصقولة،
ومغرب آخر يطفأ تدريجيا في الداخل، بصمت ثقيل.
– كيف يطلب من المواطن أن يصفق للإرتفاع، وهو بالكاد يحافظ على توازنه؟
كيف يقنع بأن هذا إنجازه، وهو لا يملك حتى نافذة يرى منها هذا المجد الزجاجي؟
إن الدول لا تقاس بما تشيّده في الأفق،
بل بما تضمنه على الأرض.
لا تقاس بٱرتفاع الأبراج،
بل بٱرتفاع منسوب الثقة بين الدولة ومواطنيها.
قد يظل برج محمد السادس أعلى بناية في البلاد لسنوات،
لكن السؤال الذي سيبقى أطول عمرا من الإسمنت نفسه:
– هل ٱرتفع المغرب فعلا…
أم أنه ٱكتفى بتغيير زاوية الصورة؟