غزة… حين تصبح السخرية لغة الحقيقة.

0 496

 

بقلم: خالد شريف

 

ليس السؤال في قصيدة «بدون رتوش» للشاعر المغربي نصرالدين خيامي بلمهدي عن غزة نفسها، بل عن الطريقة التي نتكلم بها عنها. عن اللغة التي اعتدنا استخدامها حتى صارت قناعًا يغطّي الألم بدل أن يكشفه.

 

حين يقول الشاعر، ساخرًا، إن «غزة دواء» وإنها «جنة» و«فرنسا… يورو ودولار»، فهو لا يمدح ولا يبالغ بدافع الشعر، بل يفضح خطابًا عربيًا مألوفًا: خطاب يصرّ على إنكار المأساة، أو على تلطيفها، أو على تحويلها إلى قدر يجب التعايش معه بصمت وامتنان.

 

السخرية هنا ليست زينة أسلوبية، بل أداة كشف. فالكلام عن الوظائف، الرواتب، السيارات، والراحة، يُقدَّم ككاريكاتور فجّ لرفاهٍ متخيَّل، في مواجهة واقع يعرفه الجميع ولا يريد البعض تسميته. الشاعر لا يقول إن غزة بخير، بل يسأل: من المستفيد من الادعاء بأنها بخير؟

 

في جملة مثل «غزة بلاد مليانة عمار»، تتكثف الفكرة كلها. كلمة واحدة تحمل نقيضين: العِمران والدمار. وكأن الحقيقة في خطابنا العربي لم تعد تُقال إلا بهذه الطريقة الملتبسة: نذكرها، لكننا نفرغها من معناها.

 

القصيدة – في جوهرها – ليست عن الاحتلال وحده، بل عن التطبيع مع الألم. عن اللغة التي تطلب من الناس أن يناموا تحت القصف، وأن “يعيشوا” بلا ظلّ ولا أمان، ثم تُسائلهم باستغراب: لماذا تشكون؟ لماذا تريدون أكثر؟

 

وحين ينفي الشاعر وجود الظلم والجيش والتعب في غزة، فإن هذا النفي الساخر يتحول إلى اتهام مباشر لكل خطاب يطالب الضحية بالصبر الأبدي، ويعتبر مجرد الرغبة في حياة طبيعية نوعًا من الجحود أو المبالغة.

 

السؤال الأخير في النص: «ليه طب غزة عايز أعيش؟» ليس سؤال فرد، بل سؤال مدينة كاملة. سؤال يفضح اللحظة التي يصبح فيها الحق في الحياة موضوع نقاش، لا بديهية إنسانية.

 

«بدون رتوش» ليست قصيدة حزن، ولا نشيد مقاومة تقليدي. إنها مرآة لغتنا. تقول لنا بوضوح: أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط القصف، بل أن نعتاد الخطاب الذي يجمّل القصف، ويحوّل المأساة إلى خبر عادي، أو إلى صبرٍ يُطلب من أصحابه وحدهم.

 

السخرية هنا ليست قسوة، بل محاولة أخيرة للصدق.

القصيدة /

بدون رتوش

 

 

سألني سائل

ذات مساء

قاللي إيش

رماك ع المر

جاوبته : لأ

غزة دواء

فيها اللي بيشرح

و يسر

***

غزة جنة

كيف الحنة

فيها و ظايف

و لا تستنا

فيها رواتب

جاية و رايحة

و السيارة فيها

تتهنى

***

غزة

وبدون رتوش

أنا أقلك :

غزة بلاد مليانة

عمار

و اللي يشوف

غير هيك

يغرك

غزة فرنسا

يورو .. دولار

***

مش زي

الوطن الجوعان

كاز بلانكا

دبي

و عمان

***

في غزة

ما فيش

لا ظلومة

و لا جيش

و الناس في النومة

و عايزة تعيش

تعب .. و شقى

إيش ؟

تمام .. لا ما فيش

يبقى سلام

و ما تسألنيش

ليه طب غزة

عايز أعيش

 

 

 

الشاعرالمغربي

نصرالدين خيامي بلمهدي

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.