الطفل والصیف. العمل الصیفي للأطفال: تنمیة لشخصیتھم ام انتھاك لحقوقھم ؟

0 531

یعاني اطفال الاسر الفقیرة خلال فترة العطل الصفیة من “كابوس” الحاجة و الفراغ مما
یجبر اسرھم للدفع بھم نحو سوق العمل العشوائي وھو ما یعتبر نوعا من العنف ضد
طفولتھم وانتھاكا لحقوقھم ویجعلھم اكثر عرضة للضیاع والعنف والاستغلال والانحراف،
ومن التناقضات الصارخة في مجتمعنا الذي تغیب فیھ العدالة الاجتماعیة وجود فجوة
واسعة بین ابناء الاغنیاء والفقراء في قضاء عطلتھم الصیفیة، فمن الاطفال من یستطیع
قضاء عطلة الصیف في اجواء من الراحة والاستجمام على شواطئ البحر وفي المنتجعات
والمخیمات الراقیة وفي الفنادق المصنفة والبیوت المفروشة والسفر الى البلدان الاجنبیة
الراقیة في مجالي السیاحة والترفیھ رفقة اسرھم وذویھم قصد أخذ قسط من الراحة
والترفیھ من اعباء الدراسة مع ممارسة ھوایاتھم المفضلة خلال عطلة الصیف، اما
الاخرون من ابناء الاسر الاجتماعیة المسحوقة فیجبرون على العمل خلال عطلة الصیف
وھو ما یعتبره خبراء علم الاجتماع وعلم النفس بانھ نوع من العنف ضدھم وانتھاكا
لحقوقھم وھو ما یجعلھم اكثر عرضة للاضطھاد والمیز والانحراف.
وفي احسن الاحوال تضطر بعض ھذه الاسر الفقیرة الى ترك اطفالھا للعب في الشوارع او
التسكع الیومي بین المحطات الطرقیة والاسواق الاسبوعیة .. وبالنسبة لأطفال القرىوالبوادي قد یغامرون بالسباحة في الانھار والودیان ومیاه السدود وھو ما قد یھدد
حیاتھم في غیاب وسائل الوقایة من الغرق.
ان عمالة الاطفال في فصل الصیف اوفي باقي فصول السنة ھي من المشكلات الاجتماعیة
المفصلیة التي تواجھ بلدنا ومجتمعنا واسرنا لیس فقط بحكم كشفھا عن عجز الابنیة
الاجتماعیة والتربویة بمختلف انساقھا عن اداء ادوارھا المتوخاة بشكل سلیم ومتكامل
وانساني ولیس فقط بدعوى اثارھا وتداعیاتھا البالغة السلبیة التي تطال في المحصلة
النھائیة قطاعات المجتمع كافة وانما فوق ھذا وذاك لارتباطھا بشریحة الاطفال ھؤلاء
الذین یمثلون معقد الآمال ویرتكز الیھم مصیر الامة ومستقبلھا الذین یجسدون بدورھم
طاقة ھائلة خلاقة ینبغي استثمارھا واعدادھا الاعداد الملائم لمجابھة التحدیات الخطیرة
التي تفرضھا الالفیة الثالثة المدججة بقیم العولمة .
ان الوعي بخطورة ظاھرة عمالة الاطفال وابعادھا لا یزال بالرغم من صیحات التحذیر
واستفحال شانھا وفداحة انعكاساتھا. التي ترتفع ھنا وھناك وعیا بائسا ھزیلا لا یتناسب البتة مع ضراوة تلك الظاھرة
وثمة حزمة من العوامل الاجتماعیة والاقتصادیة والثقافیة التي تتضافر فیما بینھا تفضي
الى انبعاث وتصاعد ظاھرة عمالة الاطفال ویصعب حصر تلك العوامل الا انھ یمكن
الاستئناس ببعض اسباب الظاھرة :
 -العامل الاقتصادي حیث في ضل غیاب العدالة الاجتماعیة وسوء توزیع الدخل
واستشراء الفساد ان یدفع الفقر بكثیر من الاسر المھمشة الى القاء اطفالھا في
معترك الحیاة العملیة وفي مراحل مبكرة من اعمارھم تحت وطأة الظروف
الاقتصادیة البالغة القسوة والمستویات المعیشیة المتدنیة وتختار ھذه الاسر غالبا
فصل الصیف دون غیره من الفصول كفترة ملائمة لألقاء ابنائھا في اتون العمل
المؤقت او الدائم فھي تسلمھ لرب العمل او صاحب الورشة او الضیعة الفلاحیة
(الفتاة خصوصا) او تقوم بتجھیز عربة مجرورة لبیع الفواكھ الصیفیة ( التین
الشوكي- “الھندیة”) او بیع السجائر (بالتقسیط – “الدیتاي”) او بیع الحلویات
والمثلجات في الشواطئ والمنتزھات الصیفیة او العمل في المطاعم والمقاھي
الشعبیة او بیع الھدایا و”البروك” في المواسم الدینیة والمھرجانات وكلھا “مھن”
لا تتطلب خبرة خاصة .. وھناك من الاسر من یدفع بأبنائھا في اعمال خطرة مثل
اوراش النجارة والحدادة والبناء.. وھو ما قد یعرضھم لانتھاكات جسدیة ونفسیة
وحتى جنسیة وقد لا یستطیعون مصارحة اسرھم بھذه الانتھاكات كي لا یصبحوا
اشخاصا منبوذین او غیر مرغوب فیھ -العامل الاجتماعي حیث تعد الاسرة احد الأنساق التي تمثل نقطة ارتكاز اساسیة
في تدعیم التوازن الاجتماعي وترسیخھ واي اختلال في بنیة الاسرة او قصور
یعتري اداء وظائفھا فسیفضي حتما الى تصدعات في جدار البنیان الاجتماعي
برمتھ، ویمكن التنبؤ بالدور الذي قد یلعبھ التفكك الاسري وخاصة اذا ما اقترن
بظروف اقتصادیة او معیشیة صعبة في دفع الاطفال الى سوق العمل وھذا ینسحب
افراز ظاھرة عمالة الاطفال وتوسیع ھامشھا. ایضا على ظاھرة التسرب المدرسي التي تكشف كل الدراسات تورطھا المباشر في
كما یمكن تفسیر ظاھرة عمالة الاطفال في ضوء رغبة بعض الاباء في الحفاظ على
استمرار مھنھم التي ورثوھا عن ابائھم التي یعتزون بھا ویرون فیھا ارثا رمزیا لا یجدر
التفریط فیھ وذلك عن طریق توریثھا للأبناء وتتعزز ھذه النزعة في الآونة الاخیرة نتیجة
الطلب علیھم من طرف الوظیفة العمومیة. ارتفاع معدلات البطالة في صفوف حملة الشواھد التعلیمیة والجامعیة والمھنیة وانخفاض
 -العامل الثقافي حیث ثمة قیم تسھم في دعم الظاھرة وشرعنتھا من قبیل رغبة
الاباء في اكساب ابنائھم القدرة على تحمل المسؤولیة والاعتماد على الذات او
توریثھم مھنھم التي توارثوھا بدورھم عن ابنائھم (حرفة بوك لا یغلبوك).
 – وھناك من جانب اخر القیم المادیة الاستھلاكیة التي غزت مجتمعاتنا واخذت
تتبوا مكانة رفیعة في ظل طغیان قیم الرسملة والعولمة مقوضة دعائم الترابط
والتراحم الاجتماعي وفارضة خلاف ذلك اجنداتھا المعدة لخدمة قوى السوق
والربح ولو كانت على حساب الفئات الضعیفة (الاطفال والنساء).
القوانین والتشریعات الدولیة والوطنیة تمنع الظاھرة دون ان تقضي علیھا !!
ان عمالة الاطفال او الیافعین قد تكون في بعض الاحیان لھا ایجابیات على سلوك وثقافة
الطفل في حیاتھ المستقبلیة وتكون تحت یافطة التدریب واكتساب خبرة حیاتیة اي اعطاء
فرصة للطفل والیافع في اكتساب مھارات حیاتیة وخبرة میدانیة وتعلم دروس الحیاة
ومحو الامیة المالیة وادارة وقت الفراغ في العطل والتوقفات المدرسیة لكن قد یكون لھذا
التدریب باب خلفي لتقنین عمالة الاطفال واستغلال ھذه الطاقات الطفولیة للحصول على
اید عاملة رخیصة الثمن ولأنھا تقبل العمل دون اشتراطات وفي الجانب الثاني تسبب
بانخفاض التحصیل الدراسي وارتفاع التعرض للعنف الجسدي والنفسي والجنسي
والادمان على التدخین والمخدرات في سن مبكرة ولذلك جاءت التشریعات والاتفاقات
وردم الفجوة القائمة بین سن التشغیل وسن التعلیم الالزامي. الدولیة التي التزمت بھا معظم الدول لمكافحة عمالة الاطفال وتوفیر الحمایة اللازمة لھمومن الاتفاقیات والتشریعات الدولیة والوطنیة التي تدعو الى تجریم تشغیل الاطفال:
 اتفاقیة الامم المتحدة لحقوق الطفل .
 اتفاقیة منظمة العمل الدولیة رقم 138 بشان الحد الادنى لسن العمل.
 اتفاقیة منظمة العمل الدولیة رقم 182 بشان اسوا اشكال عمل الاطفال .
وفي القانون المغربي یمكن الاشارة الى :
 المادة 23 من القانون رقم 19-12 والذي ینص ان اي شخص یشغل طفلا تقل
سنھ عن 16 سنة یعاقب بغرامة مالیة وتضیف نفس المادة انھ في حالة العود
تضاعف الغرامة كما انھ یمكن معاقبة المشغل بالسجن.
 القانون رقم 99-65 المتعلق بمدونة الشغل ویحدد شروط الشغل والتشغیل
المتعلقة بالعاملات والعمال المنزلیین.
 منع تشغیل الاطفال دون سن 15 سنة في المغرب مع السماح بتشغیل الاطفال
الذین یتراوح اعمارھم بین 16 و18 سنة في بعض الحالات بشروط محددة بما
في ذلك الحصول على اذن من اولیاء الامور والالتزام بقائمة الاعمال المسموح
بھا.
 المادة 143 من مدونة الشغل المغربیة تنص على ان تشغیل حدث دون سن 15
ینتھي بالمشغل الى دفع غرامة مالیة ویمكن ان تتحول العقوبة الى سجن نافد مع
غرامة مضاعفة.
ویبقى رغم صرامة القوانین الوطنیة والدولیة ان الظروف المعیشیة الصعبة ھي التي
تدفع اطفال الفقر والبؤس الى الخروج للبحث عن العمل برضى من اسرھم او بدونھ رغم
علم كثیر من ھذه الاسر ان ذلك مخالف للقانون الا ان الظروف المعیشیة والاسریة تبقى
اقوى منھم ویوجد المئات بل الالاف من الاطفال یعملون في ظروف غیر قانونیة ورغم
تكثیف الحملات التفتیشیة على المنشآت والاماكن التي یحتمل ان تشھد عمالة الاطفال الا
ان ذلك لم یؤدي الى القضاء على الظاھرة بل ان الأسوأ في الامر ھو خروج اطفال
وفتیات صغیرات خلال فترة العطل المدرسیة الى التسول في الشوارع والاماكن العمومیة
وفي المقاھي والمطاعم وذلك بالمخالفة للقانون بل ان القانون نفسھ حین ینزل على
المخالفین فانھ قد لا یمیز بین المشغل واسرة الطفل خصوصا اذا تواطأت الاسرة مع
المشغل او تعرض الطفل لخطر.. والقانون قد یجرمھم معا المشغل والاسرة اعادة الاعتبار لمؤسسة الاسرة لكونھا الخلیة الاساس المنوط بھا مھمة تنشئة
الاطفال وتربیتھم وحمایتھم من السلوكات غیر السویة.
 استثمار كل وسائل الاعلام والوسائط التواصلیة الحدیثة ومؤسسات التربیة
والتعلیم والمساجد وجمعیات المجتمع المدني لإشاعة وتعزیز القیم الانسانیة النبیلة
من تكافل وتعاون وتراحم ومحاربة القیم الاستھلاكیة الدخیلة.
من امتداداتھا السرطانیة. انھا مقترحات قد تسھم بحصة متواضعة في العمل على مكافحة تشغیل الاطفال او الحد
ذ. محمد بادرة

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.