مقال: “الإدارة لا تُقاس فقط بالكفاءة، بل بالأخلاق والمعاملة التي تُظهر وجهها الحقيقي”….

0 840

 

بقلم: الأستاذ البوزيدي عبد العالي

رئيس المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والبيئة

 

 

في عمق التجربة الإنسانية، يبرز سؤال القيادة باعتباره سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون تقنيًا أو إداريًا. ومع تسارع وتيرة التحديث الإداري، وانجراف المؤسسات نحو منطق الأرقام والتقييمات الصورية، بدأ يُهمّش بعدٌ أساسي في وظيفة الإدارة: الوجه الإنساني القيمي الذي لا يظهر في الخطابات الرسمية، بل في التفاصيل اليومية للعلاقات والمعاملات.

 

لقد جرت العادة أن يُربط مفهوم “النجاح الإداري” بمدى قدرة المسؤول على التحكم في الزمن، ضبط الموارد، وتقليص هامش الخطأ، وهي مقاييس ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها، لكنها تظل قاصرة، إن لم تُصاحبها منظومة أخلاقية تُنقذ الإدارة من التحول إلى سلطة مُمَأسَسة تُنتج الخضوع بدل الانتماء، وتُفرز التوتر بدل الثقة.

 

إن الكفاءة وحدها لا تُخرِج إدارة ناجحة، تمامًا كما أن العقل دون ضمير قد يتحول إلى أداة للبطش باسم القانون. فما يصنع الفرق بين مدير ينجح على الورق، وآخر يُلهم فريقه ويُربّي المؤسسة، هو طريقة تعامله مع الإنسان كإنسان، لا كمورد بشري.

 

حين يُقصى البُعد الأخلاقي من الفعل الإداري، تصبح المعاملة شكلية، ويُختزل الحوار في التعليمات، وتُلغى كرامة الموظف أمام جمود المساطر. وهذا أمر لا يهدد فقط المناخ الداخلي للمؤسسة، بل يُقوّض أسس العدالة الإدارية، ويُشجّع على النفور الجماعي من قيم الشفافية والمساءلة الحقيقية.

 

من موقعي الحقوقي، أُذكّر بأن الإدارة ليست مجرد جهاز تنفيذي، بل هي تجلٍّ يومي لثقافة المؤسسة، وانعكاس مباشر للقيم التي تسكن داخلها. وبهذا المعنى، فإن المسؤول الإداري يُمارس السلطة لكن عليه أن يُمارس معها أيضًا الضمير والمسؤولية الأخلاقية، لأن كل قرار لا يأخذ في الاعتبار الأثر النفسي والسياق الإنساني، هو قرار ناقص، مهما كان قانونيًا.

 

إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في حاجة إلى إدارة تدمج الكفاءة بالعدل، وتُزاوج بين الحزم والرحمة، وتُدرك أن التسيير ليس مجرد ضبط للموارد، بل بناء للثقة داخل مجتمع العمل. مدير اليوم يجب أن يكون واعيًا بأن السلطة أمانة، وأن احترام الآخر ليس تنازلًا بل جوهر القيادة، وأن الأخلاق ليست ترفًا في العمل الإداري، بل أساس استقراره ونجاعته.

 

إن الوجه الحقيقي لأي إدارة لا يظهر في لحظات الاحتفال والجوائز، بل في لحظات التوتر، حين يخطئ أحد الموظفين، أو حين يطالب بحقه، أو حين يعترض بصوت محترم. هناك فقط، يظهر معدن القيادة: هل تُنصت أم تُقصي؟ هل تُصلح أم تُعاقب؟ هل تُربي أم تُهدد؟

 

ختامًا، فإنني أُجدّد التأكيد على أن التقييم الحقيقي للإدارة لا يُبنى فقط على ما تحققه من نتائج، بل على ما تتركه من أثر في الإنسان: هل صنعت منه شريكًا أم حولته إلى رقم صامت؟ هل عززت كرامته أم همّشته باسم الانضباط؟

 

إننا نحتاج اليوم إلى خطاب إداري جديد، يُعيد للمعاملة الإنسانية مكانتها، ويُعيد تعريف الكفاءة لا فقط بوصفها قدرة على الإنجاز، بل كقدرة على بناء الثقة، وصون الكرامة، وتعزيز الوعي الجماعي داخل الفضاء المؤسسي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.