✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في هذا الوطن الممتد بين البحر والصحراء ، بين الجبال والوديان ، يعيش شعبٌ لا يشبه أحدا في صبره ، ولا يُجاريه أحد في تحمّله…
شعبٌ يُجلد كل يوم بسياط الغلاء ، ويُصفع كل لحظة بخيبات الأمل ، ومع ذلك… لا يصرخ ، لا يُكسر ، فقط… يُكمل طريقه ، كأنه خُلق ليكون محاربًا صامتًا في ساحة حرب لا هو ٱختارها ، ولا هو أشعل فتيلها.
لا أحد يسمع صوت هذا الشعب ، لأنّ صوته بات مختنقا تحت ركام القهر ، وتحت سطوة إعلام رسمي لا يعكس وجعه ، وبرلمان صوري لا يمثّله ، وأحزاب تتسابق على المناصب وتتنافس على الولاء ، لا على الوفاء لهمومه.
يُذبح المواطن كل يوم ، لا بخنجر ، بل بورقة قانون ، بفاتورة ماء وكهرباء ، بدواء مفقود ، بسرير غير موجود في مستشفى عموميّ منهار… ولا أحد يصغي.
في الأسواق ، تصرخ الأسعار بينما يصمت الفقراء!
في الطرقات ، تزأر السيارات الفارهة بينما يُدهس البسطاء تحت عجلات التهميش!!
في المكاتب ، تُوقّع القرارات على طاولات رخاميّة ، لتُنفّذ على أجساد المواطنين الكادحين!!!
لقد تحوّل الشعب المغربي إلى محارب من نوع خاص ، محارب يقف في الطوابير دون ٱحتجاج ، يُهان في المستشفيات دون صراخ ، يُعامل كمواطن من الدرجة الأخيرة دون حتى أن يهتز له جفن ، هل هو جبن؟ لا ، بل إنها الكرامة المذبوحة ، والإيمان بأن الصراخ لا يغيّر شيئًا في وطنٍ ٱعتاد أن يضع القطن في أذنيه حين يتألم أبناؤه.
– من أوصلنا إلى هذا؟
ساسةٌ يملكون من الوقاحة ما يكفي للضحك في وجه الأزمات ، ومن الجشع ما يكفي لبيع كل شيء ، حتى ماء العيون.
رجال أعمال ترعرعوا في أحضان السلطة ، فأصبحوا هم الدولة ، وهم السوق ، وهم القرار.
وزراء نُصّبوا لأنهم (أبناء العائلة) أو (خدّام العائلة) ، لا لأنهم يستحقّون.
أضف إلى هذا أن سي “عزيز أخنوش” رئيس الحكومة المغربية ، لم يكتفِ بالفشل السياسي والإقتصادي ، بل صرّح مؤخرا في قبة البرلمان ، بنبرة تحمل تهديدا مبطّنًدا وٱحتقارا مقنّعا للشعب ، أنه يعرف أكثر من ثلثي رجال الأعمال في البلاد!
عبارة قد تبدو عابرة للسامع العادي ، لكنها في العمق إعلان غير مباشر عن ٱمتلاك البلاد والعباد…
عن شبكة المصالح التي لا يمكن المساس بها ، وعن تحالف المال والسلطة ضد كل من يحلم بالعدالة والمساواة.
– أليس هذا ذبحًا مع سبق الإصرار والترصد لشعبٍ بأكمله؟
ليس بسكين طبعا ، بل بأشد منه: «القوت اليومي وكرامة المواطن المغربي».
صوت هذا الشعب لا يُبث في النشرات ولا يُنقل عبر الصحف ، بل يُهمس به في الزوايا المنسية من البلاد ، حيث ما زال الفقر يُدرّس الأبناء معنى الصمود… في جبال الأطلس ، حيث النساء يحملن الحطب على أكتافهن ، بينما وزيرة الأسرة تسافر لحضور مهرجان أزياء في باريس!
في المستشفيات المهترئة ، حيث تهمس الأمهات بالدعاء ، ويموت الأطفال لأن الوزير مشغول بتدشين مصحة خاصة!!
إنه الشعب المغربي ، المحارب الذي لم يعد يؤمن بالشعارات ، ولا بالخُطب الحماسية.
المواطن الذي فهم متأخرًا أن (الحلم المغربي) ليس سوى وهم تسوّقه الدولة عبر إشهارات مصبوغة بالوطنية.
إنه المحارب الصامت… الذي يستحق أن يُسمع صوته لا أن يُكسر ظهره.
فلا تستهينوا بصمته ، لأن للصمت صدى… وإذا صرخ يوما ، فلن يبقى حجر على حجر.