تأملات مواطن في الخريطة السياسية الوطنية: غالبية الأحزاب غائبة، وفراغ سياسي يُمَوَّل من المال العام.

0 550

بقلم: عبد الهادي بريويك

في مغرب اليوم، نلاحظ غياب عدد كبير من الأحزاب السياسية عن الساحة، مع كامل الاحترام والتقدير لتلك القلة من الأحزاب التي ما تزال تؤدي دورها الدستوري، وتساهم في تأطير المواطن، والمشاركة في النقاش العمومي، واقتراح البدائل.
لكن، في المقابل، توجد عشرات الأحزاب التي لا يعرف المواطن عنها شيئا، رغم أنها تتمتع بالصفة القانونية وتستفيد من دعم الدولة.
أكثر من 25 حزبا لا يعرفهم الشعب، لا يظهر لهم أثر لا في الإعلام، ولا في الشارع، ولا في أي مبادرة حقيقية. حضورهم منعدم في الميدان، وغائبون عن قضايا المواطن، ولا نراهم إلا مع اقتراب الانتخابات، ثم يختفون من جديد في دوائر الصمت والكسل.
هذا الواقع يطرح سؤالا جوهريا: ما فائدة وجود حزب سياسي لا يشتغل؟ ولماذا تستمر الدولة في تمويل كيانات حزبية لا تقوم بأي دور؟ السياسة مسؤولية، والحزب ليس مجرد صفة قانونية تستغل للحصول على الدعم العمومي.
الفراغ الذي تتركه هذه الأحزاب الغائبة يُربك المشهد السياسي، ويُضعف الثقة في المؤسسات، ويجعل المواطنين يشعرون أن لا أحد يمثلهم تمثيلا حقيقيا. فالحزب الذي لا يؤدي واجبه الدستوري، لا يجب أن يُكافأ على غيابه، بل يجب أن يُساءل، بدلا من التساؤل عنه؟
وفي خضم هذا الغياب الجماعي، لا بد من الإشارة إلى بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة.
من بين هذه الاستثناءات، يبرز حزب التقدم والاشتراكية، الذي رغم قلة تمثيليته داخل البرلمان، ظل حاضرا بثبات في قلب المعارك السياسية، يدافع عن القضايا الاجتماعية، ويُعبر بوضوح عن مواقفه، دون انجرار وراء الشعبوية أو ازدواجية الخطاب. فالحزب يشتغل بمنطق القناعة، ويتفاعل مع قضايا المواطن البسيط، ويُصدر مواقف تُثير النقاش وتكسر الصمت الذي يخيم على أغلب الساحات الحزبية.
وربما يمكن القول إن حزب التقدم والاشتراكية مثال لحزبٍ رغم عراقة تاريخه الوطني “صغير في عدد المقاعد، كبير في المواقف”، لأنه فهم أن دوره لا يُقاس بعدد الكراسي، بل بمدى تأثيره ومصداقيته.
مغربنا اليوم في حاجة إلى إعادة النظر في خريطة أحزابه، وتمييز الجاد منها عن الغائب. نحن بحاجة إلى أحزاب فعالة، حاضرة، متجذرة في المجتمع، لا مجرد “يافطات قانونية” تنشط فقط خلال الحملات الانتخابية.
السياسة ليست ظرفًا انتخابيا عابرا، بل التزام دائم. ومن لا يشتغل، لا يحق له أن يستفيد من المال العام على حساب المواطنين الذين ينتظرون من يُعبر عن أصواتهم بحق.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.