الحصول على أعلى المعدلات: بين وهم التفوق ونفوق السلامة النفسية للتلاميذ”.
”
بقلم الدكتور محمد محاسن – الداخلة
15 يونيو 2025
✓ فرحة مستحقة وتساؤلات ضرورية
نُبارك من القلب لكل التلاميذ الذين اجتازوا امتحانات الباكالوريا بنجاح وخاصة منهم أولئك الذين حصلوا على معدلات عالية أثلجت صدور أسرهم وأدخلت الفخر في قلوبهم.
إنه إنجاز لا يمكن إنكاره، وثمرة تعب وجهد ومثابرة، يستحق كل الاحتفاء والتقدير.
بيد إنه وسط هذا الفيض من التهاني وتلك المعدلات “الخيالية” التي أضحت تظهر حتى في المسالك الأدبية، لا بد من وقفة صريحة نتوجه بها، لا إلى التلاميذ الناجحين، بل إلى الآباء والأمهات، لأنهم – في كثير من الأحيان – يتحولون، دون قصد، من داعمين إلى ضاغطين… ومن مشجعين إلى خانقين لصوت أبنائهم الداخلي.
✓ حين يُصبح حلم الأب هو عبء الابن
بمجرد صدور النتائج، تنهمر المباركات، وتنتشر صور المتفوقين على مواقع التواصل، وتتسابق العائلات في التفاخر.
لكن خلف هذه البهجة العامة، نجد حقيقة صامتة: فكثير من الآباء لا يرون في تفوق أبنائهم مجرد نجاح دراسي، بل مشروعًا شخصيًا مؤجلًا، أو رغبة دفينة في تعويض ما لم يحققوه هم في شبابهم، أو وسيلة لبناء مجد اجتماعي عبر أبنائهم ومن خلالهم.
وهكذا، تتحول الدراسة إلى سباق محموم نحو “معدل أعلى”، لا يُؤخذ فيه بعين الاعتبار لا ميول الابن، ولا أحلامه، ولا قدراته الخاصة.
وكأن الأبناء مجرد أوراق بيضاء يُعاد نسخ الحياة فوقها، لا أشخاصًا مستقلين بأفكارهم وحساسيتهم وتصوراتهم عن الحياة وأحلامهم وتطلعاتهم.
✓ عواقب النجاح القسري: حين ينطفئ النجم بعد الوميض
تؤكد التجربة – والمئات من القصص الواقعية – أن المعدلات العالية ليست ضمانة للنجاح في الحياة، ولا حتى في الدراسة الجامعية.
إن عددًا غير قليل من الحاصلين على نقاط مرتفعة انهاروا لاحقًا، بعد أن استنفدوا كل طاقتهم الذهنية والنفسية في سباق مرهق، لم يترك لهم فرصة للتقاط أنفاسهم أو إعادة التفكير في مسارهم وتوجهاتهم المستقبلية.
وفي المقابل، هناك من حصلوا على معدلات “متوسطة”، لم يؤبه لها وقتها، لكنهم ساروا بخطى ثابتة نحو نجاح حقيقي، لأنهم اختاروا المسار الذي يُريدونه وينسجم مع ميولاتهم ورغبتتهم وشخصيتهم، ويُعبّر عن ذواتهم، لا ذلك الذي فُرض عليهم إرضاء الآخرين.
“ليست المشكلة في المعدل، بل في أنني كنت أدرس ما لا أُحب، وأسير في طريق لا أفهمه… لم أكن أعيش، بل أنفّذ.”
(شهادة لطالب سابق حصل على معدل 18.30 ثم غادر كلية الطب بعد سنتين من المعاناة)
✓ من التفوق الأكاديمي إلى التربية المتوازنة
النجاح الأكاديمي مهم، نعم. لكنه لا يجب أن يكون على حساب السلامة النفسية للأبناء، ولا على حساب علاقاتهم بذواتهم.
فما فائدة أن ينجح الابن ظاهريًا ويذبل داخليًا؟ أن يُصفق له الجميع، بينما يعيش صراعًا صامتًا مع حياته في الحاضر وتخوفا من المستقبل؟
إننا نوجّه رسالتنا إلى الآباء والأمهات، وندعوهم إلى:
إنصات فعلي لا شكلي: استمعوا لأحلام أبنائكم وليس فقط لتطلعاتكم من خلالهم.
الاعتراف بخصوصية كل ابن وابنة : فلا أحد يُشبه الآخر كما أن أبناءكم ليسوا نسخًا منكم.
المرافقة بدل الإكراه : وجّهوا ولا تُمْلوا. ناقشوا دون أن تفرضوا.
التوازن بين الطموح والرأفة : لا تجعلوا من التميز قيدًا نفسيًابل اجعلوا منه خيارًا حُرًا.
المواكبة النفسية والعاطفية : فالتربية لا تقتصر على التعليم، بل تشمل أيضا بناء إنسان سوي، واثق، متزن وسعيد.
✓ ما بعد النتيجة
- لنعلّم أبناءنا أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الحصول على الشهادات، بل في القدرة على الاختيار وفي الثقة بالنفس وفي تحقق التوازن النفسي وفي أن يحبّ المرء ما يفعل وبسعر بالمتعة وهو بنجزه ويحققه لا أن يُجبر عليه. إن فعلتم ذلك فتأدوا بأن النجاح سبعوا مجرد تحصيل حاصل ليس إلا، فبختفي الرهاب وتتوارى التوترات ويغيب الاحساس بالإخفاق كوصمة ويحضر استخلاص العبر من التجارب وتتقوى القدرة على الابتكار والإبداع…
من حقنا أن نحتفل بمن تفوّق، نعم.
لكن لا ننسَ أن نحتفي بمن يسير بخطى ثابتة نحو ما يحب.
فلربما كانت “معدلات الحياة” أهم بكثير من معدلات الباكالوريا.