تقع قرية آيت سوكا في وادٍ بين جبلين شاهقين،مكانً هادئً حيث الناس يعيشون حياة بسيطة، يعملون في الأرض التي تمنحهم غللا ومحاصيل تعينهم على اعالة أسرهم. الحقول تمتد على مساحة واسعة، تكون ذهبية بالقمح في الصيف ومخضرة بالشعير في الربيع. يمر نهر صغير عبر القرية، يعطي الحياة للبساتين والمراعي.
كان من بين أهل القرية خباز عجوز يدعى أحمد. كان مخبزه يقع بالقرب من ساحة القرية، وهو عبارة عن منزل متواضع من الطين مع فرن حجري في الخلف. كان أحمد يعجن العجين كل صباح قبل شروق الشمس، ويشكل أرغفة الخبز، ويضعها في الفرن. وبحلول الفجر، كانت رائحة الخبز الطازج تنتشر في الشوارع، فتوقظ القرية بنسمات من الدفء والانتعاش.
لم يكن أحمد رجلاً ثريًا، لكنه كان كريمًا. فإذا لم يكن لدى الأرملة مال، كان يعطيها خبزًا. وإذا كان الطفل جائعًا، كان يضع في يديه قطعة ساخنة. وكان يقول في كثير من الأحيان: “إن تقاسم رغيف الخبز هو نعمة مضاعفة”.
ولكن في أحد الأعوام، حلت المتاعب على آيت سوكا. فقد ضنت السماء بالمطر، وقل الحصاد. وانكمش النهر، وجفت الآبار، وأصبح الطعام نادراً. ولم يعد المزارعون قادرين على جلب الحبوب إلى المطاحن، وسرعان ما لم يتبق سوى القليل من الدقيق في القرية.
اصبح مخبز أحمد، الذي كان يمتلئ بالدفء والضحك والحركة، صامتًا مقفرا. كان لديه فقط ما يكفي من الدقيق لعمل رغيف واحد . خلط العجين بعناية، وعجنه كما يفعل دائمًا، رغم أنه كان يعلم أن هذه ستكون الدفعة الأخيرة. ثم وضعه في الفرن، وراقب النيران وهي تتلألأ وترقص.
وبينما كان الرغيف يُخبز، سمع طرقًا على الباب.
فتح أحمد الباب ليجد مسافرًا مرهقًا، ملابسه مغبرة، وجهه نحيف من الجوع.
قال المسافر: “سيدي، لقد مشيت لأيام دون أن أجد ما آكله. هل يمكنك أن تعطيني بعض الخبز؟”
ألقى أحمد نظرة على الفرن حيث كان آخر رغيف خبز على وشك الانتهاء. شعر بالحززن والاسى . كان هذا كل ما تبقى له. إذا تبرع به فلن يكون لديه شيء.
لكن بعد ذلك نظر في عيني المسافر فادرك ما يعانيه الرجل من التعب، واليأس، وألم الجوع .
ابتسم أحمد وقال: “تفضل يا أخي”.
جلس المسافر بجانب النار بينما أخرج أحمد رغيف الخبز من الفرن. كان الخبز شهيا – ذهبي اللون، مقرمشًا، ودافئًا. وضعه أحمد على الطاولة، وقطعه إلى نصفين، وأعطى قطعة للمسافر.
قال احمد:”تفضل يااخي كل.”
أخذ المسافر قضمة، وامتلأت عيناه بالامتنان. “لقد أعطيتني القليل الذي كان لديك. لماذا؟”
ابتسم أحمد وقال: “إن تقاسم رغيف الخبز هو نعمة مضاعفة”.
أومأ المسافر برأسه وشكره على معروفه.أنهى طعامه، ثم استراح قليلاً ثم نهض ليغادر، وقبل أن يخرج من الباب التفت إلى أحمد وقال:
“بارككم الله وبارك ارضكم ” ثم انصرف.
جلس أحمد وحيدًا ينظر إلى نصف رغيف الخبز الذي بقي لديه، كان يعلم أنه سيكفيه لبعض الوقت فقط لكنه لم يشعر بالندم.
في تلك الليلة، هبت ريح شديدة عبر الوادي. كانت رائحة المطر تفوح من الهواء، وسرعان ما انفتحت السماء. هطل المطر بغزارة، فغمر الحقول، وملأ النهر، وأطفأ عطش الأرض.
وفي صباح اليوم التالي، ابتهج أهل القرية. فقد انتهى الجفاف، ولكنهم كانوا يدركون أن الأمر سيستغرق بعض الوقت حتى تنمو المحاصيل الجديد وما زال الجوع يلوح في الأفق.
ثم حدث أمر غير متوقع، فقد وصل مسافرون من بلدة بعيدة إلى آيت سوكا، يحملون أكياساً من الحبوب والفواكه المجففة واللحوم المملحة.
“لقد ظل الطريق جافًا لعدة أشهر،” أوضح أحد المسافرين، “ولكن الليلة الماضية، راينا النهريفيض ماءا .ادركنا أن الجفاف قد انتهى. لقد أتينا للتجارة ومقاسمتكم مالدينا.”
رحب بهم أهل القرية بأذرع مفتوحة. وتبادلوا الصوف والفخار والقليل الذي كان بحوزتهم بالطعام. ظلت القرية تعيش على هذه المؤن حتى اينعت أول براعم القمح والشعير الخضراء في الحقول مرة أخرى.
عاد أحمد إلى مخبزه، وامتلات رفوفه بالخير من جديد، وقلبه منتشي بالرضى. لا يردطفل جائع يطرق بابه أو غريب التجا اليه.لانه كان يعلم انه كي تكون انسانا يجب ان تشعر بالام الاخرين.