
“شِي كْلَاَمْ فْ شُونِي”، بهذا العنوان وسمت الشاعرة الزجالة حليمة حريري ديوانها الأخير . مُشَكِّلَةً بذلك عتبة عنوان مشوب بنوع من الغموض والسرية، غموض غير عادي بل يخفي وراءه شتى المعاني والإشارات الدالة. غموض سنحاول قدر الإمكان النبش في أبعاده بهدف استجلاء خباياه، معتمدين في ذلك عملية اختراق للشعور والأحاسيس التي تولدها نصوص الديوان في ذواتنا، وذلك استنادا لقولة الناقد تودروڨ التي تؤكد أن (النص نزهة يقوم فيها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى). فما معنى “شِي كْلَاَمْ فْ شُونِي”؟ نلاحظ هنا أن العنوان مُشَكَّلٌ من شقين أولهما “شِي كْلَاَمْ” والثاني “ف شوني”. الشق الأول تؤكد من خلاله الشاعرة أن هناك كلام كثير من حيث الكم، لكنه مكثف من حيث المعنى، أما الشق الثاني الذي هو “فْ شُونِي” فكلمة ” شُونِي” تعني في مفهومنا العامي، المكان من الذات الذي نخزن فيه الأشياء مخافة ضياعها، أو نخاف من أن يراها أحد فيسلبنا إياها. وتعني بالذات المكان الموجود بالضبط بين أسفل الدراع وأحد جوانب القفص الصدري. حيث نضع الشيء المخبأ يمين أو يسار القفص الصدري من جسمنا ثم نضغط عليه بالدراع.
ولفهم مغزى عتبة العنوان “شِي كْلَاَمْ فْ شُونِي” لابد من تأويل المعنى الظاهر للفظ إلى معناه المرجوح، “وهذا ما يجعل من ” العنوان بؤرة تتصارع فيها مكونات عديدة لإنتاج الدلالة ورسم خريطة المتخيل”.1 الأمر الذي يثير إعمال العقل ويحفز التفكير كي يستوعب وبشكل مباشر أن المقصود من العنوان تلك المعاناة التي تضطرم في أعماق النفس المشروخة والذات المتشظية للشاعرة، هذه المعاناة التي وَلَّدَت كلاما صامتا قد ينفجر صاحبه إن لم يحصل البوح. ذلك البوح المفضي إلى التخلص من ثقل كل الأحاسيس التي تجثم وبقوة على صدر الشاعرة، في محاولة منها إرضاء الذات والتصالح معها للعيش في سلام داخلي. كل هذا بطبيعة الحال سيحيلنا بشكل أوتوماتيكي ومباشر إلى تلمس ما في ذاكرة هذا البوح من خلال مضامين متون ديوان “شِي كْلَاَمْ فْ شُونِي”.
فبإلقاء نظرة على صفحة الغلاف نجد إلى جانب عنوان الديوان، جنس الكتابة “زجل” واسم الشاعرة ” حليمة حريري”، ثم صورة تشغل الحيز الأكبر لامرأة ترتدي ثوبا لون غالبيته سواد، وفي يدها أوراق ملفوفة، امرأة تنبعث من عينيها نظرة دهشة وهي تشد بدراعيها على “شُونَيْهَا” جانبي قفصها الصدري بقوة وكأنها تختزن أشياء، تمشي وقت الظهيرة والحمام يحوطها في رمزية تشير إلى أن البوح بالمكنون لا يتحقق إلا إذا كان الوسط آمنا.
وهكذا فالغلاف هو تضمين فيه إشارة وتلميح للعوالم الخفية والأنساق المضمرة التي تتضمنها مختلف متون الديوان، إلى جانب أنه يشكل علامة سيميائية تفيض رموزها بكثير من الإشارات والمعاني والدلالات، التي قد تشكل في عمقها سُبُلا ميسرة لولوج مضامين مختلف التيمات المخبوءة بين دفتي هذا المنجز الزجلي. الذي يتضمن 25 قصيدة، الصادر عن مطبعة وراقة بلال بفاس في طبعته الأولى لسنة 2023.

لقد استهلت الشاعرة حليمة حريري منجزها بقصيدة “شمس لغروب” التي مطلعها: ” تْمَنِّيتَكْ تْكُونْ حَلْمَة فْيَاقِي “، والتمني كما هو معروف يبقى مجرد شيء مأمول لكنه غير قابل للتحقق اللهم إذا تحول إلى رجاء. ومع ذلك فعنوان المتن لم يخرج عن السياق العام للدلالة، كون تمني الشاعرة يظل منسجما مع طبيعة المطلوب الذي هو ” حَلْمَة فْيَاقِي ” لأن الأحلام تبقى أحلاما حتى ولو كانت أحلام يقظة مما يجعل الزجالة بقصيدتها هذه تقحمنا في “الأبلوموفية”2. التي تكرس مظاهر التراخي وعدم القدرة والاستسلام والخنوع، أضف إلى ذلك الاعتماد على سند أو طرف آخر، وهو ذاك الغائب الذي يمثله حرف “الكاف” في آخر الكلمة ” تْمَنِّيتَكْ “. وفي ذلك إحالة قد تلخص ضعف الإنسان وعجزه مما يضطره اللجوء إلى التمني والغوص في أحلام اليقظة أمام عدم توفر الاستطاعة والمقدرة الذاتيين لتحقيق المرغوب، هذا المرغوب الذي عبرت الشاعرة عن بعضه من خلال مقطع لها في قصيدة “شمس لغروب” ص6. بقولها :
تمَنِّيتَك تكُونْ لٌيَّا…
شَمْس…
هَمْس…
حَسْ…
تروي من الكسدة لعروق…
تحيي الخاطر وقت شروق…
وتخلي سعدي رشوق…
هذه الأمنيات التي هي ( شمس / همس / حس / تروي لعروق / تحيي الخاطر / تخلي السعد رشوق ). قلما تتحقق دفعة واحدة لِأي ذاتٍ مهما بلغت من القدرات والإمكانات، لذا يبقى حلم اليقظة في حد ذاته مجرد محاولة لإعمال الذهن وجعله يعيش حالة شرود خيالية، من أجل تحقيق إشباع لا يمكن تحقيقه في الواقع. وهو محاولة هروب قد يلجأ إليها كل الناس من أجل الترفيه عن النفس وإراحتها من حر وخز لسعات الواقع المر. من هذا المنطلق نثمن أهمية عنصر الخيال، الذي وظفته الشاعرة في بناء قصيدتها بل في بناء مجمل قصائد ديوانها. باعتبار أن عنصر الخيال هو فزاعة كل حقل أدبي فيه من الإثارة ما يضفي ـ خاصة ـ على المتن الزجلي طابع الإثارة والإدهاش، وصوغ صور شعرية ملهمة، تكاد عند تفسيرها أن ترقى إلى مستوى درجة الحدس المفضي إلى تبيان الحقيقة الكاملة. وذلك من خلال الانزياحات والتجليات التي يفصح عنها. إنه الخيال الذي لا مناص منه، لأن بدونه لا تستقيم أية محاولة إبداعية. كونه القادر على خلق صور ومشاهد ذهنية لا يمكن تصورها في الواقع، وهنا نستحضر مسألة الإستعارة باعتبارها عنصرا فاعلا وأساسيا للفكر والخيال البشري. والتي بإمكانها تمهيد الطريق للمتلقي كي يقرأ أي عمل إبداعي ويفسره حسب ما تسمح به قدراته الفكرية، وفي إطارٍ لا يمكنه تجاوز عناصر أخرى متحكمة، قد يحددها كل من عنصري الزمان والمكان وكذا الحالة النفسية للمتلقي.
(تمنيت / وتسنيت / ديك الحلمة / تمسح الدمعة / ترجع للذات / سر البسم)).
يبدو أن الذات الشاعرة ومن خلال هذا المقطع من قصيدة “شمس لغروب” ص 7. قد جعلت من حلم اليقظة وسيلة لتحقيق أمنية، الغاية منها إشباع رغبة مأمولة لإراحة نفسية مكلومة، تعاني ما تعانيه من إكراهات هذه الحياة الصاخبة التي لم يعد لها منطلق واضح ولا هدف محدد. خاصة وأن إيجابية هذا النوع من الأحلام تتمثل في كونها ” تساعد الفرد على الإبداع وتنمية مهارة حل المشكلات ” 3. وعلى ما يبدوا فإن هذا النوع من الأحلام – وفي ظل الظروف الراهنة – قد أصبح من أهم المسكنات التي يلجأ إليها المضطر كلما وجد نفسه في ضيق لأسباب غير منتظرة.
وهكذا فالأكيد أن الشاعرة قد جعلت من معاناة النفس، وطعنات الغدر، وجراحات الظلم والخيانة، تيمة أساسية لجل قصائد ديوانها “شِي كْلَاَمْ فْ شُونِي”. وما حلم اليقظة إلا ترجمة لواقع الحال الذي تتحكم في جميع علائقه المتشعبة (كلمة)، هذه الكلمة التي قال باستور في شأنها : “ضربة الكلمة أقوى من ضربة السيف”. وهكذا فحيثما نجد مُرَّ الكلام قد نجد حلُوَّه، وبأضدادها تعرف الأشياء كما قالت العرب، أما الشاعرة فتقول في قصيدتها. “مر لكلام” ص 13.
بْكِي يَا عِينِي..
خلي مريرة دمعتك عل الخد تزهر…
تدفن ليعتك…
عْلَى دَاكْ السَّعدْ الِّلي طَلْ مْعَطَّلْ…
بعد ما تقادا جهد لعمر…
ؤ الوصول عكازو عمى…
حرز طريقو لعناد…
و الجفر…
في هذا المقطع الزجلي تأمر الشاعرة بشكل صريح عينها كي تبكي على كلام انتهت صلاحيته وفسد معناه، لأن الكلام سرعان ما يصير مرا ولا فائدة منه إن لم يأت في وقته، فقول الشاعرة : “عْلَى دَاكْ السَّعدْ الِّلي طَلْ مْعَطَّلْ…” والمقصود بالسعد الكلام الذي جاء بعد فوات الأوان، أي بعد زوال كل الأسباب والمسببات الداعية إليه. ثم تضيف :
“بعد ما تقادا جهد لعمر…/ ؤ الوصول عكازو عمى…/ حرز طريقو لعناد…/ و الجفر…”.
وهذه الإشارات كلها مجازات تشخص لمرحلة متأخرة من العمر، مرحلة لم يعد في مقدور صاحبها تقبل الصعاب والمطبات، مجازات نزلت كالصاعقة على نفسية رهيفة الإحساس، نفسية لا ترحم الذات الحاملة لها، ولا تقبل أي مبررات لمصابها. والجميل في هذا المقطع الزجلي أنه يجسد صورة بلاغية شعرية صيغت بأسلوب مكن من إيصال المعنى الحقيقي لمعاناة كل مُتَذوِّق لِمُر الكَلام. أضف إلى ذلك أن الديوان يتضمن كثيرا من الصور الشعرية المتكاملة العناصر، والتي زادها جمالا ورونقا، سلاسة الأسلوب العامي المرن، والبنية النسقية المحكمة، مع اعتماد مجازات بعيدة عن الإغراق في الرمزية والغموض.
هكذا ومهما اختلفنا أو اتفقنا فستبقى الكلمة ذاك المفتاح الحقيقي والوحيد، القادر وبكل جرأة على اقتحام مسارات كل المظاهر الحياتية، وكذلك كانت منذ ظهور الإنسان العاقل فوق هذه الأرض. باعتبار أن الكلمة عهد على ناطقها والتزام إما بالقبول أو الرفض على عاتق سامعها، ولهذا فالاتفاق كلمة والاختلاف كلمة. الأمر الذي أكده أكثم بن صفي بقوله : “مقتل الرجل بين فكيه”. والمقصود هنا بالمقتل “الكلمة” التي ينطق بها كل إنسان، فهي إما أن تصيب إن قيلت بعد تفكير، وإما تصير وبالا على ناطقها إن قيلت بغير تفكير. وفي ذات السياق تضيف الشاعرة في ” قصيدة ” الكرمة والدالية ” ص 28. ما نصه :
سَلْطَانْ الْكَلْمَة…
مَنْ خُوفُو عْلَى حْرُوفُو…
هْجَرْ خَيْمَة لَكْلَامْ…
خلاها للريح…
حمارها قانع ينبح…
وغراب يسوس ف كرمتنا…والدالية…
و “سَلْطَانْ الْكَلْمَة” في مفهومنا العامي هو سيد المقام يتقن الكلام. ويبقى المقصود من السياق الذي أُدرِج ضمنه هذا المتن الزجلي هو عموم القول، سواء أكان شعرا أو رواية أو حكاية. وللشاعرة حليمة حريري نصيب في صنعة القول، وهي صنعة غير ميسرة لأي كان، علما أن صنعة الكتابة تحكمها شروط وضوابط، منها الإلمام بكل القواعد الفنية المطلوبة، وحسن اختيار الكلمة المعبرة لتشخيص الإحساس المعبَّر عنه، واعتماد تصميم بنائي محكم للمتن، دون إغفال الجانب الجمالي والتخيلي كي تكون الصورة الشعرية مستوفية العناصر، كل هذا طبعا إلى جانب توفر قسط من الموهبة.
ويبقى ديوان “شِي كْلَاَمْ فْ شُونِي” للشاعرة الزجالة حليمة حريري هو تجسيد صارخ لفضيلة الشعر على نفسية الإنسان، نظرا لما للبوح من أهمية في الشفاء والتخفيف من الضغوط النفسية وإراحة النفس من الصدمات اليومية. ومن كل شوائب الحياة المعاصرة والمجايلة لشروط صعبة ساهمت في تغيير سلوك الافراد، وأربكت عناصر الوجود. شروط جسدتها الشاعرة في كثير من المواضيع التي تناولتها مختلف نصوص الديوان حيث نجد :
تغليب التافه على الأهم في قصيدة “رحبة لكلام” :
بلا حيا وسط جماعة الخير مد رجليه…
كلام هبيل ايجبو. وكلام خاوي يديه…
عدم جدوى الكلام والمتكلم في قصيدة “الكرمة والدالية” :
لكلام اعمى…
ݣايدو زحاف…
ثم حُكم الأرذال بعد أن توارى العقلاء في زمن الذل في قصيدة ” الليل ” :
ب مرود الظلام تغزل لكلام…
اللي كان بارود ف حركة مضوية الظلام….
اليوم جفل ولا حشمان…
خلا الرذال زايدين لݣدام….
مسرجين الجهة…
بايعين لعقل ف سوق لهبال….
ثم غياب الفرح أمام سيطرة الخوف والمتاعب اليومية في قصيدة ” الميزان غيواني” :
ردي اللون لديك الفرحة…
لمسرجة الدمعة ركوب…
ديك الغصة…
الواݣفة تسنى السعد…
السعد الغضبان…
اللي خانتو ليام…
تنهيدتو ف الخاطر….
تنخصيصة عل الدوام….
هذه مجرد نماذج لتيمة القلق التي ولدتها شروط الحياة الصعبة المنطوية على مخبوءات فيها تهديد صريح للاستقرار النفسي، وهي التيمة التي طبعت مجمل متون الديوان، حيث لخصت الشاعرة حليمة حريري كل مخبوءات تيمة القلق وواقع الحال في قصيدة جميلة وجد معبرة، تحت عنوان : ” الزْعَامَة مْسَبْطَة لَحفَا” ص 40.
مجمل القول أن ديوان “شِي كْلَاَمْ فْ شُونِي” يمكن اعتباره ثمرة جهد لتجربة حياتية ليست بالهينة، تجربة تعكس مجهودات لمحاولة رتق مختلف التمزقات والندب التي خلفتها تجارب الحياة على النفسية. وذلك أمام انعدام آليات القدرة على الهروب من قَدَر محموم ومحتوم، قَدَر لم تختره الشاعرة لنفسها بل كان اختبارا لمدى قدرة الإنسان على التحمل، ثم التكيف مع مختلف الأوضاع الخارجية ورجاتها، رغم ما تحدثه وما تتركه من آثار سواء على مستوى التفكير أو السلوك.
وأختتم قراءتي المتواضعة هذه بقولة المدون أحمد نبوي التي تساءل من خلالها حول : ( لماذا نكتب من الأساس إذا كان وقع الواقع ووطأته أكبر من حجم كلماتنا؟ وما وسعُ اللغة أن تفعله أمام سيلٍ من تدفقات الحياة اليومية التي لا تنتهي إلا بنهايتنا؟).
وهو نفس ما أكدته الشاعرة من خلال عنوان أحد متونها بقولها : “لكلام كثير…والسكات احسن..”.
إنجاز : أحمد قيود
8 مارس 2025
—-_—–ـ—-
هوامش :
1 – التشكيل الجمالي لصورة الغلاف والعنوان.
(دراسة سيميائية)
د فطيمة الزهرة بايزيد
2 – مصطلح قد اشتق من اسم رواية “أبلوموف” (1859) لإيفان غونتشاروف، و “الأبلوموفية” مصطلح يطلق على نزعة الكسل والتراخي التي يعيشها بطل الرواية.
3 – أحلام اليقظة في علم النفس
نبيل القرعان