عدالة مبتورة في نهائي قاري كيف أخفق “الكاف” في حماية اللعبة ؟

0 368

م.س : بيان مراكش

لم يأت قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بخصوص نهائي كأس إفريقيا بالرباط لينهي الجدل، بل ليؤكد أن أزمة الكاف أعمق من مباراة، وأخطر من خطأ تحكيمي أو سلوك إنفعالي داخل الملعب ، فقرار كان من المفترض أن يعيد الإعتبار لسلطة القانون، فإذا به يكشف هشاشتها، ويظهر أن العدالة داخل الكرة الإفريقية لا تزال إنتقائية ، تجزئ الوقائع ، وتفصل العقوبة عن خطورة الفعل ، في لحظة كان فيها النهائي القاري بحاجة إلى حكم مؤسسي صارم يضع حدا للفوضى ، إختار “الكاف” الطريق الأسهل معاقبة العرض ، وتجاهل السبب ..

ما جرى في نهائي كأس إفريقيا بالرباط لم يكن مجرد مباراة إنتهت بركلة جزاء ضائعة وهدف في الوقت الإضافي، بل كان إختبارا حقيقيا لقدرة الإتحاد الإفريقي لكرة القدم على فرض سلطة القانون وحماية روح المنافسة ، للأسف خرج “الكاف” من هذا الإختبار مثقلا بعلامات الإستفهام، بعد قرارات إنضباطية توحي بأن ميزان العدالة لا يزال مائلا ، وأن الحسم لا يبنى دائما على خطورة الأفعال، بل على حسابات أخرى أقل شفافية .

الحدث الأخطر في النهائي لم يكن إخفاء مناشف حارس مرمى، ولا إحتجاج لاعبين على قرار تحكيمي، بل تهديد منتخب كامل بالإنسحاب من نهائي قاري ، وهذه سابقة خطيرة، تمس جوهر اللعبة، وتفتح الباب أمام منطق الإبتزاز داخل الملعب ،إما أن تلبى مطالبنا، أو ننسحب …. في أي منظومة كروية تحترم نفسها، يعد هذا الفعل خطا أحمر، لأنه يضرب مبدأ إستمرارية المنافسة، ويفرغ اللوائح من معناها.

توقف المباراة قرابة ربع ساعة بسبب هذا التهديد، دون أن يعلن الحكم إنهاءها أو اتخاذ إجراء صارم، خلق واقعا ضاغطا أثر نفسيا وذهنيا على الطرف الآخر ، فالمغرب لم يكن في مواجهة فريق فقط بل في مواجهة فوضى قرار، وصمت مؤسسي مريب ومع ذلك، جاءت عقوبات “الكاف” على السنغال مالية أساسا ، وإيقافات تصرف في الزمن البعيد، وكأن ما وقع مجرد “توتر عابر” ، لا سلوكا يرقى إلى تهديد النظام العام للمباراة.

في المقابل بدا التعامل مع المغرب أكثر صرامة وإنتقائية، إيقافات للاعبين، وغرامات متعددة، وعقوبة على الجامعة بسبب تصرف جامعي الكرات، وكأن المطلوب هو موازنة الصورة لا موازنة العدالة، لا أحد يدافع عن سلوك غير رياضي، لكن المنطق يفرض ترتيب الأفعال حسب خطورتها ،هل إخفاء مناشف يوازي تهديدا بالانسحاب من نهائي قاري؟ وهل الإحتجاج الغاضب بعد توقف طويل ومربك يعادل تعطيل المباراة نفسها؟

الأخطر من العقوبات ذاتها، هو رفض إحتجاج الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ، فالرفض هنا ليس قرارا تقنيا فقط، بل رسالة سياسية ورياضية في الآن ذاته رسالة مفادها أن بعض الوقائع يمكن تطبيعها، حتى وإن مست هيبة المنافسة ، وهذا ما يكرس فقدان الثقة في مؤسسة “الكاف”، التي ما زالت عاجزة عن بناء سابقة قانونية رادعة تحمي اللعبة من الانزلاق نحو الفوضى.

إن الظلم الذي تعرض له المغرب لا يختزل في نتيجة مباراة، بل في طريقة إدارة أزمة داخل نهائي قاري، وفي ميزان عقوبات لم يعكس حجم المسؤوليات كرة القدم الإفريقية لن تتطور طالما بقي الإتحاد القاري يتعامل بمنطق “إطفاء الحرائق” بدل ترسيخ القانون ، وطالما ظل الخوف من قرارات حاسمة أكبر من الخوف على سمعة اللعبة نفسها.

فنهائي الرباط كان فرص” الكاف” لتأكيد إستقلاليته وقوته، لكنه تحول للأسف، إلى مثال جديد على عدالة مبتورة… تدين السلوك الثانوي ، وتغض الطرف عن الفعل الأخطر.

وفي قلب هذا المشهد لن ننسى إسم فوزي لقجع، لا كما حاول بعض الإعلام الحاقد تصويره كـ”أخطبوط” يتحكم في الخيوط، بل كما هو في الواقع رجل دولة رياضي، يشتغل بعقل مؤسساتي، ويدير الخلاف بالأخلاق قبل اللوائح، وبالهدوء قبل الإنفعال ،إختار الدفاع عن حق المغرب داخل الأطر القانونية، دون تهديد أو إبتزاز، ودون المساس بروح المنافسة، مقدما درسا عمليا في أن القوة الحقيقية لا تكون في تعطيل المباريات، بل في إحترام القوانين حتى عندما تطبق بإنتقائية،
قد خسر المغرب لقبا، لكنه ربح ما هو أعمق شرعية أخلاقية، وصورة دولة قادرة على التنظيم، وضبط النفس، وحماية كرامة المنافسة ، أما “الكاف” فسيظل مطالبا بمراجعة مرآته، لأن التاريخ لا يحفظ عدد الكؤوس فقط، بل يسجل أيضا من دافع عن اللعبة … ومن تواطأ على إفراغها من معناها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.