بقلم : الحسين خاوتي
وصلني الخبر متأخراً.
كنتُ طريح الفراش، أقاوم ألمي في عزلةٍ كاملة، بعيداً عن كل نافذة تُطلّ على العالم. وحين نهضتُ قليلاً لأستعيد شيئاً من انتظام الأيام، باغتني الاسم مقروناً بالفعل القاسي: الرحيل. شعرتُ أن المسافة بيني وبينك اتسعت فجأة إلى مدى بعيد.
يا رفيقي ،
كنتُ أؤجّل لقاءنا في ذهني كما يؤجَّل وعدٌ واثقٌ من تحققه. كان في القلب حديثٌ لم يُستكمل، .غير أن القدر سبق خطانا، وأغلق الصفحة قبل أن نخطّ سطورها الأخيرة.
عرفتك أستاذاً يربّي ، ورفيقاً يُصغي.
اقتربتُ منك طويلاً حتى صار حضورك جزءاً من تكويني. التصقتُ بك زمناً أتعلم في ظلك كيف يُصاغ الموقف، وكيف يُحمل الانحياز إلى الناس في القلب .
معك فهمتُ أن النضال التزام أخلاقي ، وأن الوقوف إلى جانب الكادحين مسؤولية يومية تتجدد في الفكر والسلوك معاً.
كنتَ ترى في الكلمة أمانة.
حين دفعتني إلى الكتابة أول مرة، كنتَ فتحت أمامي درباً كاملاً: درب التعبير المسؤول، والاقتراب من هموم الناس بوعي واحترام. علّمتني أن التواصل علاقة ثقة تُبنى بالصبر والصدق.
في صحبتك اكتشفتُ معدن الرجل حين يثبت على قناعته دون ضجيج، ويختلف دون خصومة، ويتمسّك برأيه دون أن يضيق بالآخرين.
كنتَ واسع الصدر، عميق النظر، تقرأ الواقع بعين الناقد وقلب الحالم في آنٍ واحد. حملتَ قضايا العمال والفلاحين والطلبة كما يحمل المرء همّ بيته، وسخّرت قلمك ليكون صدى أصواتٍهم .
ما زلتُ أراك جالساً بيننا، تنصت أكثر مما تتكلم، تبتسم حين يحتدم النقاش، وتعيد الأمور إلى جوهرها ببساطة العارف.
في حضورك كانت للجدال حرارة المعرفة، وكانت للمبادئ هيبة الهدوء.
حزني عليك حزن ممتدّ في أعماقي.
أستعيد ملامحك فأشعر أن جزءاً من ذاكرتي يرفرف في فضاءٍ آخر. غير أنني أعلم أن الأثر الذي تركته فينا أقوى من الغياب، وأن ما زرعته من وعيٍ وجرأة ومسؤولية سيظل حيّاً في كل موقف نتخذه، وفي كل كلمة نكتبها.
نم قرير العين يا رفيقي.
أديتَ ما عليك بكرامة، وعشتَ وفياً لما آمنتَ به، وخرجتَ من الدنيا خفيفاً إلا من محبةٍ ثقيلةٍ في قلوب من عرفوك.
سلام عليك في عليائك،
وسلام على روحك بقدر ما منحتنا من معنى.