من وحي ذكرى المسيرة الخضراء و عيد الاستقلال المجيد

0 569

حقبة الاستعمار في المغرب ليست مجرد صفحة من الماضي، بل جرح مفتوح في ذاكرة وطن، ومرآة تُظهر وجهيْن متناقضين من معدن الإنسان المغربي: وجه الخيانة ووجه الوفاء.
في تلك الحقبة السوداء، حين كان الوطن يرزح تحت نير الاستعمار، انكشف معدن الرجال، وسقطت الأقنعة. فمنهم من باع الأرض والعرض بثمن بخس، ومنهم من صان العهد وواجه الرصاص بصدر عارٍ.
اولئك الذين انحنوا للمستعمر، لم يكتفوا بخيانة الوطن، بل صادروا أراضي الفلاحين البسطاء، واستعبدوا الناس، وراكموا الثروات على حساب دموع الأرامل وصيحات اليتامى. كانوا يدّعون الوطنية وهم وكلاء المحتل، يبطشون بأبناء جلدتهم، ويُشيّدون القصور من عرق المقهورين. رحل الاستعمار وخلّف وراءه حفنة من الخلف العام يتباهون اليوم ، يصولون ويجولون بما ليس لهم، غير مدركين أن التاريخ لا يُشترى، وأن المال لا يغسل العار.
لكن، في المقابل، هناك من كتب اسمه بمداد من نور. الوطنيون الأحرار، أبناء الجبال والسهول، الذين رفضوا الذلّ وواجهوا النار من أجل كرامة الوطن. لم يتركوا قصوراً ولا ضيعات، تركوا فقط شرف الانتماء، وذاكرة نقيّة تروي حكاية الاباء.
أحفادهم اليوم لا يتباهون بالمال، بل بالاسم النقيّ الذي صان وجه المغرب من السواد. إنهم أبناء الرجال الذين حملوا الوطن في قلوبهم، لا في جيوبهم.
تلك الحقبة يجب ألا تُنسى، لا لتُغذّي الأحقاد، بل لتذكّر الأجيال أن من خان الأمس، لا يحق له أن يتحدّث باسم الغد. فالأوطان لا تبنى على أكتاف الخونة، بل على تضحيات الشرفاء.
وإن نسي البعض، فالتاريخ لا ينسى، والتراب الذي ارتوى بدماء الأحرار، سيبقى شاهداً على أن المجد لا يُورَّث، بل يُصنع.
حتى لا ننسى… أن بيننا اليوم من يسير مرفوع الرأس بما سرقه الأجداد بالخيانة والدم، من يفاخر بثروات لم يتعب فيها يوماً، ومن يظن أن الألقاب والمناصب تغسل دنس الخضوع للمستعمر.
حتى لا ننسى أن خلفهم ما زالوا يلبسون ثياب الشرف زيفاً، ويتحدثون باسم الوطن الذي باعه أسلافهم في مزاد الذل.
لكن الوطن لا يُخدع مرتين، والتاريخ لا يرحم، فكما خلد أسماء الأحرار في سجلات المجد، سيبقى يطارد أحفاد الخيانة بلعنة الحقيقة التي لا تموت.
فالأرض تعرف أبناءها، والدم لا يكذب، ومهما ارتفع صهيل المال فوق صوت الحق، سيأتي يوم يُفرز فيه الطاهر من الدنس، وتعود للأرض هيبتها… وللشرف معناه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.