✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في بلادٍ تصف نفسها بالعربية والإسلامية ، وتُدرّس لأبنائها أن العربية لغة الجنة ، ثم تُجبرهم في الإدارات والمصالح العمومية على الحديث بلغة “لويس الرابع عشر” ، هناك خلل أخلاقي وهويّاتي لا يُمكن السكوت عنه.
اذهبْ إلى أي إدارة مغربية ، سواء كانت عُمومية أو خصوصية ، وقل لهم إسمك الكامل بالعربية ، سيحدّق الموظف فيك كما لو أنك تكلّمت المايا القديمة ، ثمّ يُطلب منك بلطفٍ مغشوش: Si vous pouvez me donner votre nom en français s’il vous plaît
بالله عليكم ،
– هل نحن في المغرب أم فرنسا؟
– في بلاد عربية أم عجمية؟
– وهل صرنا بحاجة لجواز سفر لغوي حتى نقضي أغراضنا الإدارية؟!
هذا الموظف المسكين ليس وحده في قفص الإتهام ، بل هو ضحية منظومة كاملة مصابة بعقدة (فرنسيس) ، حيث يُقاس مستوى الذكاء واللباقة بعدد الكلمات الفرنسية التي تحشرها وسط الجملة ، كلما قلتَ: (الشارجور ، الكونجي ، الكونطرا ، البون ، الدوموند…) ، زادت أسهمك في بورصة الإحترام الزائف!
أما إن تجرأت وتحدثت بعربية فصيحة ، أو حتى بلهجتك المغربية الأصيلة ، فٱعلم أن معاملتك ستُرجأ إلى إشعار غير مسموع ، وقد يُطلب منك ضمنيًا أن (تتفرنَس) قليلا كي تصبح (محترما)… أو على الأقل مفهوما.
وحتى لا نظلم الإداري البسيط ، فلنصعد قليلا إلى «رأس الحكومة» نفسه!!
رجل في أعلى هرم السلطة التنفيذية ، يتحدث في أغلب خطاباته بلغة فرنسية (مدرّعة) ، غير آبه بمن لا يفهم ، وغير مكترث لملايين المغاربة الذين لا يعرفون من الفرنسية سوى (الفرماجة ولپتي پان) ، رجل يتلعثم إن حاول نطق جملة عربية بسيطة ، بل ويجد صعوبة حتى في الحديث بالدارجة!!!
أما النحو والصرف والبلاغة.. فحدث عن المجازر ولا حرج…
– فكيف نُقنع المواطن البسيط بحب العربية ، ورئيسه يعاملها كما يُعامل غبار الطباشير؟
حقاً… هزلت!
نحن لسنا ضدّ تعلم اللغات ، بالعكس ، فاللغات جسور تفتح نوافذ العالم ، لكننا ضدّ عبودية لغوية تجعل من لغة المحتل السابق تاجا ، ومن لغتنا الأم عارا!!
نحن ضدّ تحويل الفرنسية إلى معيار للوجاهة ، والعربية إلى مرادف للتخلف والبيروقراطية.
هذا التبجيل المُخجل للفرنسية ليس مجرّد خيار لغوي ، بل عرضٌ سريريّ لعقدة الإستعمار التي لم تُعالَج بعد ، رغم أن المستعمر خرج منذ عقود ، تاركا خلفه جيشا من العقول التي تتحدث بلسانه وتحتقر ذاتها!!!
إننا في حاجة لثورة لغوية تبدأ من الإدارات وتنتهي في الإعلام والمدارس والبيوت.
ثورة تعيد للعربية هيبتها ، وتُعيد للموظف كرامته ، وللمواطن ٱحترامه ، وللهوية الوطنية معناها.
وإلى ذلك الحين ، لا تنسَ أن تحفظ ٱسمك (بالفرنسية) ، وتُتقن بعض كلمات (الباريزيان) ، وإلا ستظل عالقا في طابور الإنتظار… لا لشيء سوى لأنك مغربي يتحدث بلغته!