مراكش تحتفي بالقاص والروائي أبي يوسف طه من خلال قراءة في إبداعه القصصي.    

0 1٬079

 

 

 

متابعة : ابراهيم قازو

 

 

 

في إطار أسبوعها الثقافي 19 ،نظمت مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم فرع مراكش ، مساء الأربعاء 25 يونيو 2025 ، لقاء ثقافيا حول المنجز القصصي للمبدع المغربي أبي يوسف طه بعنوان» قراءة في الإبداع القصصي للقاص أبي يوسف طه « .وقد شارك في اللقاء، الذي أداره الأستاذ فتح الله مصباح ، مجموعة من النقاد والباحثين : د.عبد العزيز الحويدق ،د.عادل عبد اللطيف ، د.رشيد برقان وذ.سعيد بوعيطة.

في البداية تناول الكلمة الأستاذ عبد الحفيظ الملوكي باعتباره كاتبا عاما للمؤسسة ،تحدث خلالها عن برنامج وفعاليات الأيام الثقافية التي دأبت المؤسسة على تنظيمها كل سنة . وأشار إلى أن هذا اللقاء حول الإبداع القصصي للمبدع أبي يوسف طه يقام بتنسيق مع النادي الأدبي . ليعرج للحديث عن مسار أبي يوسف طه الإبداعي الذي بدأ من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي متأثرا بالتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها المغرب آنذاك. وقد تميزت كتاباته بالتركيز عل القضايا الإنسانية والاجتماعية . ليؤكد الأستاذ عبد الحفيظ الملوكي في النهاية أن الكتابة عند أبي يوسف طه ليست خيارا وإنما هي مجموعة حوافز نفسية تدفع به إلى البوح وتقاسم الأسرار والتعبير عما هو ذاتي و أيضا موضوعي.وأنه قد اجتمع لديه ما تناثر عند الآخرين : أي أن الكتابة لديه تتميز بالأبعاد الثلاثة : الواقعية ، التحليل النفسي والرمزية..

بعد ذلك تقدم الباحث والناقد عبد العزيز الحويدق بمداخلة تحت عنوان »التحليل المرجعي للقصة القصيرة ، سلة عنب نموذجا« .موضحا أن فكرة المداخلة هي أن الكاتب يواجه واقعا مترديا فيرى أن الحكاية هي الترياق وهي الحل لتجاوز هذا الواقع . لأن واقعا بهذه القتامة لا يمكن للمبدع أن يواجهه إلا باللغة . ولكن هذه اللغة ليست لغة معيارية ولا لغة وضعية.وإنما هي لغة فنية تعتمد على الأساطير وعلى الرموز ،ودائما تنتفض على سلطة اللغة .انطلاقا من إيحاءات وترميزات يرى بأنها هي السبيل الوحيد بالنسبة للمبدع لتجاوز هذا الواقع . وفي النهاية ، بالنسبة له ، الواقع صلب ،ولكن الحكاية هي التي تنتصر كأننا أمام سرديات شهرزاد..ويتابع الناقد عبد العزيز الحويدق مداخلته بقوله إن الإبداع بصفة عامة لا قيمة له إلا إذا اختط شكلا جماليا وفنيا لسلطة لها علاقة وشيجة مع رؤية للعالم وفلسفة للكون.فالمبدع ينطلق في إنجازه الفني من مرجع واقعي تحليلي موضوعي أو ذاتي ، أوهما معا. ويصهرهما معا في بوتقة جدلية تتصادى فيها الأصوات والرؤى . وتحتوي داخلها النصوص الغائبة . ويتجاور فيها الوعي باللاوعي ،والواقعي بالعجائبي ،والإنشاء واللغة النقدية الواصفة . لأن المبدع أبا يوسف طه يأتي أحيانا بمجموعة من النقاشات النقدية حول اللغة أو ما يسمى بالكتابة النقدية داخل الكتابة الإبداعية .فالمبدع ، حسب الناقد عبد العزيز الحويدق لا يطمئن إلى المنظور الوضعي للغة لأن اللغة ليست مرآة شفافة ولا يمكنها أن تنقل الواقع والأحداث بأمانة . فللغة سلطة لأنها ملك جماعي ، وقوانينها معيارية .لهذا يلجأ المبدع إلى لغة المجاز، وأساليبها المتنوعة التي تخترق الحدود ،وتترك خيولها الجامحة تمرح في ميادين الأسطورة ، وبياضات الكلام . ففي عالم سمته الغالبة التشظي، التفكك ، الخراب و الخواء .والإنسان فيه لم يعد شيئا بل وهما . وحاضر الوجود الإنساني يتسم بكونه حاضرا مبعثرا ممزق الأوصال ، مثخنا بالتناقضات الصارخة التي تدمر إيقاعه ،وتجعل من صورته انعكاسا واضحا لمعاني العبث والاستلاب واليأس واللاجدوى.وفي ضوء هذا الواقع ، تتفكك العلاقات الإنسانية ،وتفقد الذات روحها ،وتتحول إلى مسخ . ومعنى هذا ، يضيف الناقد عبد العزيز الحويدق ، أن الحكاية واللغة هما المعادل الرمزي لشهرزاد التي تقاوم الفناء بالسرد . وتشع النور وسط الظلمة بمروياتها . إنها سردية وجودية تتكرر في نوع من العود الأبدي . إن المجموعة القصصية »سلة العنب« للمبدع أبي يوسف طه ، التي تتكون من إحدى عشر قصة هي شكل من أشكال المقاومة الجمالية لواقع مترد ومنحط . فالواقع هو جرح ،والكتابة نزيف ومغامرة غير مطمئنة . الواقع قاتم ،والحكي والكتابة يقاومان..

 

 

أما الناقد والباحث عادل عبد اللطيف ، فقد اعتبر هذا اللقاء لحظة إنسانية تقوم على الاعتراف بالمنجز الإبداعي لأبي يوسف طه ،وما قدمه للقصة المغربية . وقد ركزت قراءة الناقد عادل عبد اللطيف لأعماله الإبداعية على المجموعة القصصية »سفر في الأرخبيل« .فالسفر اكتشاف ومعرفة وسياحة . والسفر في الأرخبيل ساحر وخلاب ، فيه جزر لكنها متقاربة ومتعددة .فيه الصخور البركانية ، كما فيه الشعاب المرجانية . تلك هي عوالم القصص في هذه المجموعة .فالقارئ ، حسب الناقد ، لن يعود خاوي الوفاض . ولن يكون سفره سدى.ففي المجموعة واحد وعشون قصة ، تبدأ بقصة »متاعب موظف بسيط «وتنتهي ب »متاهة« .وهذا الختم ب »متاهة« كأن أبا يوسف طه يصر على التشويق وعلى تثمين الحكي وتشبيكه .وهو ينتقل داخل المجموعة بين أشكال قصصية متعددة : القصة الواقعية ، القصة العجائبية ، القصة الأحجية ، القصة المبشرة سياسيا , القصة الشاعرية . وهذا التنويع ، في نظر الناقد عادل عبد اللطيف ، مرده إلى تنوع المواضيع القصصية ، والخبرة الطويلة المكتسبة لدى أبي يوسف طه من إخلاصه الدائم للكتابة . وقد ساءل الناقد عادل عبد اللطيف المبدع : لماذا يسقط الرجال في متنك القصصي أبو يوسف طه ؟ هل سقوط الرجال »في سفر في الأرخبيل« ناجم عن التردد..ناجم عن غياب الدافع..هل بسبب الكتب التي قررت أن تحرقها في مجموعتك القصصية..هل بسبب العائلة..هل بسبب الفقر..هل لأن الحياة خط غير مستقيم كما تقول في المجموعة..كل هذه الأسباب جعلها أبو يوسف طه وبفنية مولدات حكائية في قصصه ، حيث زمن السقوط ممتد . وقد لا حظ الناقد عادل عبد اللطيف ، كذلك ، أن مجموعة »سفر في الأرخبيل« تركز على الشخص أكثر من تركيزها على الحدث . فهذه النصوص تزدحم بالشخصيات . إن أبا يوسف طه يركز على ضعفنا الداخلي ، وعلى أوهامنا.و تغلب على قصصه المحلية. هل لأن مراكش تنوب عن كل الأوطان ؟ وهل مفاتيح قصص أبي يوسف مقدودة فقط على أبواب مراكش ؟أم لأن المحلية ، كما في أدب نجيب محفوظ ، أكثر عالمية .أم أن من لا يعرف محله لن يعرف محلات الآخرين..وفي ختام مداخلته تحدث الناقد عادل عبد اللطيف عن حضور البعد الثقافي داخل مجموعة »سفر في الأرخبيل« ، بحيث هناك أسماء كتب ،وأسماء روايات . كما سنتعرف داخل المجموعة عن الكاتب العالمي خوان غويتيصولو كما لم نتعرف عليه من قبل .سنتعرف على رواية حنا مينة »الثلج يأتي من النافذة« ، وعلى محمد زفزاف في »بيوت واطئة«..إن القصة لدى أبي يوسف طه ليست ناجمة فقط عن تسمية الواقع ولكنها ، في نظر الناقد عادل عبد اللطيف ، ناجمة عن قراءات تنهض على معرفة وعلى ثقافة .

وفي مداخلته أشار الناقد والباحث رشيد برقان إلى أن أبا يوسف طه يشكل أحد الفاعلين البارزين في الدينامية التي يعرفها السرد القصصي المغربي راهنا . ومن هذا المنطلق يقترح تأملات في تجربته السردية من خلال مجموعته القصصية »سلة العنب« . التي شكلت ، في نظره ، خلاصة تجربة سردية طويلة تميزت بالتنوع والتجول عبر دروب طويلة من تقنيات القول والسرد . وهي تجربة تنتظم ، في رأي الناقد رشيد برقان ، ضمن خاصيات أساسية هي :

حضور الأفق التجريبي بإلحاح ، حيث يسعى الكاتب إلى قول الأشياء بطرق مخالفة. فينجر السرد إلى فضاءات بعيدة عن التقليد والتكرار.ويسعى إلى تنشيط الفاعلية التخييلية لدى المتلقي من خلال تناوب في السرد بين الشخصية الرئيسية والسارد.

لا يشتغل الكاتب على سجل لغوي واحد ، أو معجم متناغم . ولكنه يعمد إلى تنويع السجلات التي يبني بها عوالمه السردية .

لا يستقيم الحدث في أي سرد دون وجود صراع .والصراع داخل المجموعة هو بالأساس بين السارد وبين الحياة واللغة . فهما الواقع الطاغي في جميع النصوص .والشخصيات تسعى دائما إلى الهرب منهما أي اللغة والحياة .

تعتبر الدراسات الحديثة أن الخط الفاصل بين القصة والحكاية يكمن في الوصف،باعتباره عنصرا أساسيا يساهم في تشكيل العوالم السردية ، ويوجهها . وداخل هذه المجموعة ينتصب الوصف بشكل قوي وجلي في تحديد الفضاءات الزمنية والمكانية .ووسمها بالميسم المتناغم مع مسار الشخصيات أو أحوالها النفسية .والوصف بعيد هنا عن الطابع التسجيلي .لأنه مفعم بذاتية شعرية ، يمكن أن نقول إنها شعرية تركز على اللحظات الانتقالية أو المتحولة ،وتمنحنا الطقس اللازم لدخول عالم القصة .

يراهن السرد في لبوسه الحديث عن الإبراز القوي للفعالية التخيلية التي لا تركن إلى المواضعات الاجتماعية ،ولكنها تخرق حواجز المعتاد في اتجاه عوالم جديدة . وتشتغل الفعاليات التخييلية للسارد في هذه المجموعة بقوة .

الشخصيات في »سلة العنب« مبنية في غالبها على أساس نفسي .أو يحتل فيها الجانب النفسي حيزا مهما.وهي شخصيات مشحونة برغبة قوية في البوح .وبوحها لا ينخرط في إطار المألوف ،ولكنه يبحث عن لغة بعيدة عن الرطانة .كما يبدو أن شخصيات المجموعة معزولة أو تنشد العزلة إثر انهزامها أو وصولها إلى أن عالم الناس لم يعد جديرا بالعيش .وهي شخصيات لا تفعل ولكنها تنفعل بالواقع المحيط.

 

أما الناقد سعيد بوعيطة فقد قارب المنجز القصصي للمبدع أبي يوسف طه من خلال مداخلة بعنوان »الواقعي والمتخيل في النص القصصي المغربي ،سلة العنب نموذجا «.مؤكدا أن تجربة أبي يوسف طه القصصية هي تجربة تتخذ منحيين : الأول أفقي والثاني عمودي . المنحي الأفقي هو أن تجربة المبدع ممتدة في الزمان بشكل كبير . وقد عايش جيل التأسيس ، إن صح هذا التعبير يقول الناقد سعيد بوعيطة .وتطورت تجربته ليعايش كذلك جيل التجريب اليوم .أما المنحى العمودي ، فهو لما نقف عند عمل قصصي معين أو عند رواية معينة نجد بأن القاص ينزع منزعا تطوريا وتجريبيا . بحيث لا يشبه نص قصصي أو روائي نصا آخر .وبالتالي فإنه يمارس نوعا من التجاوز والتجريب في مجموعة من المستويات . كما أشار الناقد سعيد بوعيطة إلى أن القراءة الأولى لمجموعة »سلة العنب« تكشف أنها تقوم على ثلاثة عناصر أساسية ومهيمنة :

الواقعية الموضوعية : هناك هيمنة لهذه الخاصية على العديد من الأعمال القصصية المغربية – زفزاف ،الخوري وغيرهما -. وفي هذا المنحى تندرج كذلك سلة العنب ، من خلال مجموعة من المستويات ، الزمان والمكان والشخصيات .يتجلى هذا البعد الواقعي بخاصة في قصة »الزنابق السوداء« ، وقصة »إيطو« ، قصة »المعطف« . لكن على الرغم من هذه الواقعية التي هيمنت على بعض نصوص المجموعة . فإننا نلاحظ بأن المنحى الواقعي قد تم تشكيله وفق رؤية خاصة للمبدع أبي يوسف. لأن الكتابة عموما على الرغم من أنها ترتبط بالواقع فإنها لا تغيره .ولكنها تحاول قدر الإمكان أن تقدم للقارئ والمتلقي واقعا أخر . وتعيد بناء الواقع وفق رؤية خاصة تتجاوز من خلاله الواقع المعيش .

السرد الرؤيوي : إذا كان السرد الكلاسيكي يحتفي في مجمله بالرؤية السردية ، السرد الموضوعي الذي يكون فيه الكاتب مقابلا للسارد المحايد ، الذي لا يتدخل في الأحداث، بقدر ما يصفها .فإن الكتابات القصصية الجديدة قد تجاوزت هذه الرؤية السردية. كما تراجع كذلك توظيف ضمير الغائب لصالح ضمير المتكلم ،وضمير المخاطب. وفي هذا الإطار يشير الكاتب أحمد بوزفور في كتابه »الزرافة المشتعلة« ، إلى أن توظيف ضمير المخاطب في النص القصصي يشكل بالنسبة إليه نوعا من دمقرطة الكتابة والسرد القصصي قصة »المعطف« وقصة »إيطو« .

السرد العجائبي : تتأرجح السمات السردية في نصوص »سلة العنب« بين حدين كبيرين ، الواقعي والعجائبي .إذ عادة ما تنطلق الحكاية من الأول الواقعي لتنتهي إلى الثاني العجائبي، أو العكس في بعض القصص . ذلك أن فاعلية حضور هذا المنحى ،وقيمته الجمالية ،واستراتيجيته في قصص »سلة العنب« ، تؤكد أن هذا الميل إلى توظيف هذا الأسلوب يمثل خيارا فنيا واعيا من قبل السارد أو القاص الضمني. مما يمنح هذه المجموعة إمكانات كبيرة لتكون ساحة للتصادم والتجريب والحداثة ، من خلال توظيف هذه المستويات ،أو هذه المميزات الفنية .

وفي نهاية مداخلته ، خلص الناقد سعيد بوعيطة إلى أن تجربة المبدع أبي يوسف طه من التجارب القصصية المتميزة .حيث احتل النص القصصي عنده مكانة متميزة ضمن الاتجاهات البارزة : الواقعية التعبيرية ، الرمزية والسرد

ما فوق واقعي..

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.