لا تستقيم الديمقراطية دون أحزاب سياسية حقيقية تحارب ظواهر سلبية
بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
. الأحزاب أولا وأخيرا
أعادت احتجاجات جيل «زد» سؤال الأحزاب السياسية إلى الواجهة، حيث عرت عن امتداداتها المجتمعية، التي تبين أنها توقفت، منذ سنين، عند حدود أجيال سابقة، تاركة بذلك فراغات كبيرة ملأتها تعبيرات أخرى غير مؤطرة تماما.
إذن، فما الفائدة من مشهد يعج بأكثر من ثلاثين حزبا سياسيا إذا لم يعكس هذا العدد وجودا فعليا يعبر عن مشارب فكرية وتوجهات داخل المجتمع ؟؟؟
الجواب على السؤال لا يقبل التعميم، لكن الواقع يرصد صورة لأحزاب تبدو منفصلة عن ما يجري، وعن هوة تزداد شساعة يوما عن يوم، بين المجتمع والعمل السياسي من داخل الإطارات التي يتم عبرها تمرير المطالب والرسائل، فالأمر ستكون له، دون أدنى شك، تداعيات كبيرة على مسألة الثقة والمشاركة في الانتخابات المقبلة ، وهذا الأمر إذا لم يتم تداركه، فإنه سيجعل من استحقاقات السنة القادمة عملية صعبة، إن لم نقل معقدة جدا .
لقد عرت احتجاجات جيل “زد” عن عيوب الأحزاب السياسية، التي لم تعد تهتم لبناء تصورات نظرية بمساعدة المثقفين بقدر ما تسعى إلى البحث عن “غنائم”. أحزاب لا تهمها صناعة مناضل متشبع بالثقافة السياسية ومكون نظريا على المحاججة والمرافعة من أجل القضايا المجتمعية والوطنية.
أحزاب تواصلها الوحيد هو في فترة الانتخابات، برامجها مجرد إعلان نوايا ومبادئ عامة. أحزاب هدفها هو التضخم العددي الانتخابي بدون تأطير وتكوين وإعادة تربية على مفهوم الدولة والمواطنة.
ليست هذه هي الأحزاب التي تتطلبها المرحلة، فالسياق والتحديات المستقبلية يفرضان يقظة وعدم ترك الفراغات الناتجة عن التقصير، أو عدم القيام بالأدوار، على الأقل في حدها الأدنى.
وكما هو معروف في الممارسة الديمقراطية، تقوم الأحزاب السياسية بأدوار كثيرة مهمة وحساسة، أولها، تأطير المواطنين وتكوين الوعي السياسي … فالأحزاب السياسية مطالبة بتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وتعليمهم مبادئ الديمقراطية، وأيضا تشجيع المواطنين على المشاركة السياسية ترشيحا وتصويتا.
كما تقوم الأحزاب السياسية في التنظيمات الديموقراطية بتمثيل إرادة الشعب، فالأحزاب السياسية تمثل المجتمع في المؤسسات وتضمن التعددية وتعبر عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
ولا تنتهي أدوار الأحزاب عند هذا الحد، بل هي تقوم بدور آخر في غاية الأهمية، يتمثل في قيامها بالوساطة بين الدولة والمجتمع، إذ تنقل مطالب الناس إلى الحكم وتساهم في معالجة الأزمات، فهي بذلك لاعب أساسي، لا محيد عنه، في الحفاظ على التوازنات.
وأخيرا وليس آخرا، تشارك الأحزاب السياسية في الحكم وصنع القرار وذلك من خلال نتائج الانتخابات، التي ستكون نزيهة وحرة في حالة وجود مواطن مؤطر ومسيس ويعرف ما له وما عليه، وأيضا في إطار قواعد شفافة وواضحة.
هذا هو المطلوب في الأحزاب السياسية، وهذا لا يمكن أن ينحصر إطلاقا في عدد الأحزاب، بقدر ما يرتبط بالنوع، وبارتباط هذه الأحزاب بالمجتمع، في إطار حركية مجتمعية.
طبعا لا يمكن الحكم بكون كل الأحزاب السياسية لا تنطبق عليها التسمية، فالتعميم دائما يجانب الصواب، غير أن الحاجة إلى دولة المؤسسات والديموقراطية تسائل الأحزاب السياسية اليوم، وتضعها أمام مسؤوليتها التاريخية، فالمغرب اليوم في حاجة إلى أحزاب سياسية قوية مستقلة ومرتبطة بالمجتمع ؛
الكثير مما نعيشه اليوم من مظاهر غير سليمة، سواء على مستوى النقاش العمومي أو الممارسة، المؤسساتية والشعبية، هو دليل على الحاجة إلى الممارسة السياسية بقواعدها، وهذا الأمر يتطلب عودة الأحزاب السياسية إلى قواعدها، وقيام ممارسة سياسية حزبية عقلانية يجد فيها المواطن ذاته، ويلقى فيها المظلة التي تؤطره وتدافع عن مصالحه.
وختاما، لا تستقيم الديموقراطية دون أحزاب سياسية حقيقية، إذن فنحن في حاجة، اليوم، إلى وقفة صارمة للتفكير في كيفية إزالة ما علق بالممارسة الحزبية في بلادنا من ظواهر سلبية، وهذا أمر يتطلب فتح نقاش عمومي موسع شفاف وصريح.
.