تُعدّ كثرة الأحزاب السياسية من أبرز ملامح المشهد السياسي في عدد من الدول التي اختارت نهج التعددية الحزبية، غير أن هذه الكثرة، بدل أن تُغني التجربة الديمقراطية، أضحت في كثير من الأحيان مصدر إرباك وتشويش على الفعل السياسي والمشاركة المواطِنة.
من الناحية المبدئية، تُفترض التعددية الحزبية أن تكون تعبيراً عن تنوع المجتمع واختلاف توجهاته الفكرية والسياسية، وضمانة لحرية التنظيم والمشاركة في تدبير الشأن العام. غير أن الواقع يكشف أن تضخم عدد الأحزاب، دون اختلاف حقيقي في البرامج أو وضوح في الرؤى، يُفرغ هذه التعددية من مضمونها، ويحوّلها إلى مجرد واجهة شكلية لا تخدم الديمقراطية ولا تُقوّي ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
كناشط حقوقي، ألاحظ أن تعدد الأحزاب لم يواكبه، للأسف، تطور مماثل في مستوى التأطير السياسي أو الدفاع الجاد عن الحقوق والحريات، بل ساهم في تعميق العزوف الانتخابي، نتيجة فقدان الثقة في الفعل الحزبي الذي أصبح، في نظر فئات واسعة من المجتمع، مجرد وسيلة للوصول إلى المواقع والمناصب، لا أداة لخدمة الصالح العام.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في عدد الأحزاب، بل في غياب الديمقراطية الداخلية، وضعف البرامج الاجتماعية والاقتصادية، وابتعاد العديد من التنظيمات السياسية عن هموم المواطنين الحقيقية، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، واحترام الحقوق الأساسية.
وعليه، فإن إصلاح المشهد السياسي يمر حتماً عبر إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، وتشجيع الاندماج بين الأحزاب المتقاربة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز دور الأحزاب في التأطير والدفاع عن الحقوق، بدل الاكتفاء بدور انتخابي موسمي لا يترك أثراً إيجابياً في حياة المواطنين.
إن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأحزاب، بل بمدى قدرتها على تمثيل الإرادة الشعبية، وحماية الحقوق، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
بقلم : ذ / البوزيدي عبد العالي ناشط حقوقي رئيس المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والبيئة