عصر الصمت الممنهج: حين تصبح الكلمات جريمة!

0 469

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في زمن يفترض فيه أن تكون الأصوات متنوعة، وأن الأفكار تتصارع في رحاب الحرية، نجد أنفسنا أمام مشهد غريب من نوعه “سياسة تكميم الأفواه”، التي تتسلل بخفة الظل ودهاء الجزار، لتفرض صمتا على من يجرؤ على التفكير خارج الإطار المرسوم.
إنها ليست مجرد رقابة على الكلام، بل هو حنين إلى عصر فقد فيه الإنسان القدرة على التعبير عن ذاته دون خوف من العقاب، عصر تسجن فيه الجمل، وتعاقب الأفكار قبل أن تخرج من حناجر أصحابها.
لم تعد الحرية مجرد كلمة جميلة تكتب على الأوراق، بل أصبحت قطعة من الحنين، تذكرنا بما كان يجب أن يكون حقا طبيعيا لكل إنسان (الكلام، النقد، الرأي).

الأساليب الجديدة لهذا العهد الجديد أكثر ما تكون إبداعا في التضييق، من المنصات الرقمية المراقبة، إلى التشهير المبطن في ثنايا المقالات، إلى الإجراءات القانونية التي تتسرب بخفة إلى كل زاوية من زوايا الحياة اليومية.. وفي كل مرة، يتعلم المواطن أن صوته قد يتحول إلى عبء ثقيل، وأن الحذر هو اللغة الوحيدة المقبولة في زمن تستباح فيه الكلمات.
لكن الغريب والمحزن معا، أن هذه السياسة، رغم كل ما تحمل من ظلامية، لم تنجح بعد في قتل الضحك الساخر الذي يخرج من أفواه صامتة قهريا، فبينما تغلق الأبواب على الحريات، تتسرب نكات ساخرة، وتعابير حزن مختبئ، تذكر الجميع بأن الكلمة مهما حاولوا إخفاءها، تبقى حية في نفوسنا، تنتظر اللحظة المناسبة لتثور.

لعل الحرية في هذا العصر، لم تعد معركة على الأرصفة فقط، بل هي حرب داخلية، صراع بين الرغبة في الصمت خوفا، وبين حاجة الإنسان الأساسية في التعبير عن ذاته.
وفي كل مرة ينكسر فيها حاجز الصمت، حتى ولو بشكل هادئ وبسيط، يتأكد لنا أن روح الحرية لا تموت بسهولة، وأن العهد الجديد، مهما بدا صارما، لا يستطيع قمع كل الأفواه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.