ت رو ج شركات أوروبية للنقل الجوي، وقبلها بمدة شركات نقل أمريكية، لفكرة أن منافسات لها شرق-أوسطية تتلقى الدعم من حكومات بلدانها وتستفيد في نفس الوقت من اتفاق “الأجواء المفتوحة”؛ ما يعتبر، برأيها، خرقا للاتفاق يخل بمبدإ التكافؤ بينها في التنافس على حصص السوق.
الشركات الأمريكية ذهبت أبعد من ذلك حين رفعت ملفا في الموضوع الى أعلى سلطة بالبلاد؛ لتحملها على التدخل، فالمنافسة شديدة وتلكم شركات لم تتعود أن تقف في وجه انفرادها بمعظم الحصص الدسمة لسوق النقل الجوي العالمي نظيرات لها، وبالأخص إذا كانت شرق أوسطية، مبررها في ذلك أن مبدأ المنافسة المتكافئة في إطار “الأجواء المفتوحة” لم يعد مصانا وأن منافستها الشرق-أوسطية تستفيد من دعم حكومات بلدانها.
“الزعم الأمريكي” دحضه الناطقون باسم الناقلات الجوية الخليجية المعنية “الخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران والخطوط الجوية الإماراتية”، فيما تحدثت أقلام من قلب البيت الأمريكي نفسه أن الدعم الحكومي لم يكن غائبا عن صناديق ناقلاتها الجوية، وأنها ما نطقت إلا بما اختبرته وخبرته في نطاق تجربتها.
وتؤكد أوساط مطلعة أن شدة المنافسة، خاصة في ظل توسع ور ق ي ما توفره الناقلات الجوية الخليجية من خدمات وما تلاقيه من إقبال شديد، خاصة من فئة رجال الأعمال، هو ما جعل الناقلات الأمريكية “دلتا ويونايتد وأميركان إيرلاينز” والناقلات الأوروبية “لوفتهانزا” والخطوط الفرنسية “تبحث عن أساليب مقاومة أخرى، قد تصل الى استهداف هذا التوهج وقطع الطريق امامه”.
وحظيت القضية، التي اتضحت أنها في العمق معركة تنافس اقتصادي، بمتابعة وسائل الإعلام القطرية، والتي أرجعت بدايتها إلى عهد أوباما، حين طالبته أنذاك الناقلات الجوية الأمريكية المتذمرة بتعليق اتفاقية “الأجواء المفتوحة”، وهو الأمر الذي كانت تجاهلته عن قصد إدارة اوباما متجنبة ركوب موجة هذه المعركة الخفية حول حصص السوق.
ومع الإدارة الأمريكية الجديدة، حاولت نفس الشركات أن تستأنف من حيث بدأت معركتها، حيث طلبت مقابلة وزير الخارجية الأمريكي الجديد، ريكس تيلرسون، بهدف استئناف الجولة التي بدأتها في عهد الإدارة السابقة، على امل فرض قيود على الناقلات الجوية الخليجية والتراجع عن اتفاق “الأجواء المفتوحة”، و”فرض اتفاقيات أحادية الجانب على الخدمات المقدمة من قبل هذه الشركات”.
وهو ما كانت أكدته وكالة الأنباء الاقتصادية الأمريكية “بلومبرغ” في خبر مفاده بأن الناقلات الجوية الأمريكية كانت أرسلت الى الجهات الحكومية المعنية تقريرا تأكيديا بان الناقلات الجوية الخليجية المذكورة “تتلقى دعما حكوميا” وصفته بالمنافي “للمبادئ الأساسية للمنافسة العادلة” و”لاتفاقية الأجواء المفتوحة”، وكشفت فيه عن حجم الهدر الذي تتعرض له حصصها السوقية.
وراجت أنذاك أخبار بأن الإدارة الأمريكية الجديدة ستعمل على تقييم المنافسة في سوق النقل الجوي الأمريكي، استنادا إلى تعهد انتخابي للساكن الجديد للبيت الأبيض يروم “تعزيز نمو الوظائف المحلية، وإعادة النظر في الاتفاقيات التجارية التي تضر بالولايات المتحدة، ومن بينها اتفاقية الأجواء المفتوحة”.
وفي مواجهة هذه التطورات، أكدت الناقلة الجوية القطرية على لسان رئيسها التنفيذي، أكبر الباكر أن “اتفاقية الأجواء المفتوحة الأمريكية صممت خصيصا من قبل الحكومة الأمريكية لضمان حرية التشغيل لناقلاتها على نطاق أوسع في شبكة خطوطها دون تقييد الحكومات الأجنبية على المسارات والخدمات التي تقدمها”، لافتا الانتباه إلى أن “فرض قيود حمائية في أمريكا ليس في صالح أمريكا ذاتها لأنها تصدر بقدر ما تستورد”.
وانتقد الباكر أيضا اتهام شركات الطيران الأوروبية لنظيراتها الخليجية بما تسميه ممارسات تجارية غير عادلة، وكذا سعي الاتحاد الأوروبي الى إعادة صياغة قوانينه بما يسمح بفرض رسوم على شركات الطيران من خارج الاتحاد إذا أضرت بمصالح منافساتها الأوروبية. وقال، في تصريح صحفي على هامش معرض بورصة برلين السياحية، إن هذه الشركات تتجاهل أنها كانت في السابق تتلقى دعما حكوميا.
أما جواب الرئيس الأمريكي ترامب عند لقائه بالمديرين التنفيذيين للشركات الأمريكية الثلاث، فكان وقعه على هؤلاء المتذمرين صقيعيا وعلى غير ما كانوا يتوسمون، لكنه لم يخرج عما كان يتوقعه المدير التنفيذي للشركة القطرية حين تكهن بأن جواب الرئيس “لن يخالف منطق ترامب كرجل أعمال الذي هو بالأساس، قبل أن يكون رئيسا منتخبا للولايات المتحدة الأمريكية”؛ إذ كان خطابه لهم حاسما حين قال.. “اعرف انكم تتعرضون لضغوطات، لكننا نريد أن نتعامل مع هذه الشركات الأجنبية، خاصة انها ترفد السوق الأمريكي باستثمارات كبرى وتوفر فرص عمل كثيرة للشعب الأمريكي”، لافتا الانتباه الى أنها “تتعاقد بالمليارات مع شركات تصنيع الطيران العملاقة ومستلزمات الطيران مثل “بوينغ” و”جنرال إلكتريك” و”يونايتد تكنولوجيز”، بما يدعم الآلاف من الوظائف داخل الولايات المتحدة الأمريكية”.
لكن التطورات الأخيرة المرتبطة بحظر نقل الحواسيب المحمولة في مقصورات الطائرات في الرحلات المتجهة الى الولايات المتحدة من مطارات بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتركيا، اعتبرها بعض المحللين تنفيسا عن “رغبة مبيتة في التضييق على الشركات الخليجية واستجابة مضمرة للشركات الأمريكية “.
وألمح آخرون الى أنه “وإن كان الغرض اعتماد إجراءات استباقية لدرء مخاطر الإرهاب الذي يمكن أن تشكله مخاطر حمل هذه الآلات الإلكترونية على متن الرحلات الجوية، فهو في العمق يضرب عصفورين بحجر واحد ويستجيب بطريقة مواربة لطلب الشركات المتذمرة”.
هذا التضييق الاقتصادي، بحسب المراقبين، هو ما تفطنت له “القطرية” حين أعلنت لزبنائها بأنها ستوفر، انطلاقا من أبريل الجاري، الحواسيب على متن رحلاتها المتجهة الى الولايات المتحدة وأنه بمقدور رجال الأعمال ممن يرغبون في متابعة أشغالهم أثناء الرحلة تحميل مضامين اشتغالهم في الحافظات الإلكترونية “يو إس بي” ليجدوا على متن الرحلة حواسيب رهن إشاراتهم.
وبذلك تكون “القطرية”، التي تسير وهي على عتبة عامها العشرين أسطولا يضم 191 طائرة حديثة الى اكثر من 150 وجهة رئيسية عبر العالم، قد هيأت بهذه الخطوة الأسباب للحفاظ على زبنائها من رجال الأعمال، خاصة أولئك الذين يرغبون في متابعة وتفقد أعمالهم باستمرار، وتكون قطعت الطريق أمام المنافس الآخر الراغب في استقطاب بعض من حصصها في السوق.
بل ولقد ذهب أكبر الباكر أبعد من ذلك في حديث للصحفية الإيرلندية (ذي إيريش تايمز) حين حذر من أن “الإرهابي ين قد يستهدفون ببساطة مطارات لا يتم تطبيق إجراءات حظر أمني فيها على الأجهزة الإلكترونية”. وأكد أن “اختبار الكشف عن المتفجرات، الذي يعد بالفعل معيارا قياسيا لأمن المطارات يقدم بديلا جاهزا ومضمونا بدرجة يمكن الاعتماد عليه”، معتبرا أن ذلك يمثل حلا مأمونا بنسبة مئة في المئة، ما يجعل الحظر على الأجهزة الإلكترونية “غير ضروري”.
وأوضح المسؤول عن الناقلة الجوية القطرية، التي فازت بالمرتبة الأولى عالميا خلال 2016 بعد الإماراتية التي صنفت الأولى، أن ما تروج له الشركات الأمريكية والأوروبية حول استفادة مزعومة للناقلات الجوية الخليجية من الدعم الحكومي “هراء”، و”افتراء”، وأن ما تحصل عليه الناقلة الخليجية، في إشارة الى الخطوط الجوية القطرية، “هو حصة من أسهم الشركة” يكفل لها استقلاليتها و”ليس تمويلا من دافعي الضرائب” في وقت هي “مطالبة فيه بتحقيق الأرباح”.
ولفت الانتباه الى أن الاستثمارات التي تضخها الناقلات الجوية الخليجية سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا لها وزنها الذي لا يمكن لهذه الجهات نكرانها أو الاستغناء عنها، ملمحا الى أن عمق المشكل هو رغبة الناقلات الجوية الأمريكية والأوروبية الجامحة في ابتلاع معظم حصص السوق وقلقها المتزايد من النمو السريع والتألق المشهود له للناقلات الخليجية.
وضمن جدل هذا التنافس الشديد، والمتجلي بأساليب مختلفة، تبقى المعارك عن حصص سوق النقل الجوي العالمي بين الناقلات الشرق أوسطية من جهة والأمريكية والأوروبية من جهة أخرى، غير محسومة، وما من مؤشرات تفيد بذلك في الوقت الحاضر، بل المؤكد أكثر، أنها ستظل، على المديين المتوسط والبعيد، مفتوحة على تطورات وجدل متزايد في سوق يشهد منافسة شديدة وأساليب تسويق مبتكرة.