كان سيدي الحبيب رجلاً طويل القامة، قوي البنية، له حضور صامت يجعل الناس يفسحون له الطريق حين يمر. بلغ الخمسين من عمره ولم يتزوج قط. كان يعيش بهدوء مع أمه التي تجاوزت السبعين في بيت طيني صغير عند طرف القرية. لا أحد يعرف سبب عزوفه عن الزواج. البعض همس أن امرأة كسرت قلبه، وآخرون قالوا إنه نذر ألا يتزوج. لكن سيدي الحبيب ظل لغزا عصيا عن الحل الا انه كان يعيش بكرامة وصمت.
كان معروفًا في المدينة، يركب دراجة عالية كل صباح، كأنه يحلّق بها فوق الأرض. ظهره مستقيم، عيناه تنظران إلى الأمام، بالكاد يتحدث إلى أحد، يكتفي بإيماءة احترام. الناس احترموا صمته، وقالوا: “هو كتاب مغلق، ولا أحد يجرؤ على فتحه”.
لكن في البيت، كان سيدي الحبيب شخصًا مختلفًا. كان رقيقًا وحنونًا مع أمه. هي الوحيدة التي رأت ابتسامته، وسمعت ضحكته. كان يطبخ لها، ويغسل جسدها، ويمشّط شعرها الأبيض، ويجلس بجانبها كل مساء يستمع معها إلى الراديو بصمت.
وفي أحد الصباحات، وهو يساعدها على النزول من الدرج الضيق، انهارت فجأة بين ذراعيه.
– “يمّا!”، صرخ وهو يظن أنها فقدت وعيها.
مددها برفق على الأرض، وركض ليجلب بصلة –الدواء التقليدي في مثل هذه الحالات.
قشر البصلة بسرعة، وقربها من أنفها.
لا شيء.
وجهها بقي ساكنًا. لا حركة، لا نفس.
– “يمّا…”، همس بصوت مرتجف.
ثم ساد الصمت.
لقد رحلت.
جلس سيدي الحبيب بجانب جسدها في ذهول. لساعات، لم يتحرك. الشمس غابت، والظلمة ملأت البيت، وهو لم يزح من مكانه. ثم جاء الجيران وساعدوا في الدفن.
لكن شيئًا ما انكسر داخله.لثلاثة أيام، بقي مغلقًا على نفسه، لا يأكل، لا ينام. ثم انهمرت دموعه، وبكى كطفل، يهتز جسده من شدة الألم. كانت تلك المرأة كل عالمه.
في اليوم الرابع، بدأ يزور المقبرة كل صباح. كان يجلس عند قبرها لساعات، أحيانًا يهمس بكلمات لا يسمعها إلا التراب، وأحيانًا يكتفي بالصمت، ودموعه تسيل على خديه.
كانت المقبرة فوق تلة، وعند مدخلها شجرة عتيقة، غليظة الجذع، متفرعة الأغصان. ومنذ أول زيارة له، لاحظ سيدي الحبيب غرابًا أسود يقف على أعلى غصن، يراقبه بعينين لامعتين. في كل مرة يأتي، يكون الغراب هناك.
ومرت الأسابيع، لم يتغيب سيدي الحبيب
عن زيارة واحدة، ولم يغب الغراب.
وفي صباح من تلك الصباحات، وبينما كان يسير تحت ظل الشجرة، سمع همسة خافتة:
– “ارحل… ولا تعد.”
توقف فجأة. نظر حوله. لا أحد.
الغراب وحده في الأعلى، يحدّق فيه.
– “ربما أنا متعب”، قال لنفسه ومضى.
جلس عند قبر أمه، صلى، بكى قليلاً، ثم عاد.
في اليوم التالي، عاد مجددًا. الغراب كان في مكانه.
بعد أن انتهى من زيارته، وقبل أن يغادر، سمع الهمسة من جديد – أقرب، أبرد:
– “ارحل… أو ستدفع الثمن.”
تجمّد سيدي الحبيب.،أدار رأسه قليلاً نحو اليمين ليرى المتحدث.لكن وجهه بقي على هذا الوضع وفي نفس الاتجاه.
عنقه انثنى، عيناه اتسعتا، حاول إعادة رأسه، لكنه لم يقدر. وجهه بقى ثابثا نحو اليمين، لا يتحرك.
اصابه الذعر وركض متعثرًا إلى دراجته، ركبها، واتجه نحو داره. الناس لاحظوا شيئًا غريبًا: سيدي الحبيب، الرجل الصامت القوي، كان يقود دراجته ووجهه منحرف بشكل غير طبيعي نحو اليمين.
– “ماذا جرى لك يا سيدي الحبيب؟”صاح أحدهم.
لم يجب.ولم يجب أبدًا بعدها.
منذ ذلك اليوم، توقف عن زيارة المقبرة. بقي في منزله، نادرًا ما يُرى. الأطفال كانوا يتسللون وينظرون من نافذته، فيرونه جالسًا وحده، رأسه مائل نحو اليمين، عيناه تتحركان كأنهما سجينة داخل جسد مكسور.
الغراب اختفى من الشجرة.
وبعد أسابيع، اختفى سيدي لحبيب أيضًا. دراجته لم تعد هناك. لا أحد رآه يغادر. البعض قال إنه ذهب إلى بلدة أخرى يبحث عن علاج. وآخرون قالوا إنه فقد عقله وهام في الدنيا.
لكن الشجرة ما زالت واقفة عند مدخل المقبرة. وأحيانًا، حين تعصف الرياح، يسمع الناس صوت جناحين يخفقان، وهمسة تمر بين الأغصان:
– “ارحل… ولا تعد.”
الذين يسمعونها… يمشون بسرعة دون أن يلتفتوا.
بعد سنوات، تجرأ شاب فضولي أن يدخل المقبرة عند الفجر. سمع الحكايات، وأراد أن يرى الشجرة بنفسه. وقف تحت أغصانها المتشابكة متحديًا الغراب أن يظهر.
لا شيء.
انتظر.
ثم لمح دراجة صدئة قرب الجدار الحجري. عجلتها الأمامية تدور ببطء، كأن أحدًا نزل عنها للتو.
ومن الأعلى، من أعلى غصن، انطلق صراخ حاد، يقطع العظم.
ركض الشاب… ولم يعد.
والقرية ما زالت تروي قصة سيدي الحبيب – الرجل الصامت، الذي أحب أمه حبًا عميقًا لم يستطع حتى الموت أن يفصله عنها. البعض يقول إن الغراب كان روحًا تحذره من التعلّق. وآخرون يعتقدون أن ذلك كان لعنة ولّدها الحزن العميق.لكن الجميع يتفقون على شيء واحد: الحزن، إن دُفن عميقًا، قادر أن يشوّه أقوى الرجال.
والمقبرة ما زالت هناك…تراقب في صمت.