“رحلة الضياع”.. بين وهم الخلاص وشبح الفقدان

0 716

أمين زهير: بيان مراكش

في قلب مدينة مراكش، وبالضبط في فضاء دار الشباب عرصة الحامض باب دكالة، احتضن مسرح الشباب يوم الثلاثاء 25 فبراير 2025 عرضًا استثنائيًا حمل عنوان “رحلة الضياع”، قدمه محترف كفاءات مراكش للفن المسرحي. كان هذا العمل بمثابة مرآة فنية تعكس بجرأة قضية الهجرة السرية، وتكشف زواياها الخفية، بأسلوب درامي مشحون بالتوتر والأسئلة الوجودية.

سينوغرافيا وإخراج: جمال مطرب / تأليف: أحمد زيد
أداء: حسناء الحفاري، سهيل بن الطاهر، وعاشور ساكو / مسرح.. بحر.. مصير مجهول.

لم يكن العرض مجرد تمثيل لحكايات عابرة، بل كان بمثابة لوحة درامية تجسد الصراع الأزلي بين الأمل والهاوية. على خشبة المسرح، تتشابك القصص، وتتقاطع المصائر، حيث تسير الشخصيات على حافة الحلم المجهض، بين الرغبة الجامحة في العبور، والواقع القاسي الذي يفرض قوانينه بلا رحمة.

جاءت السينوغرافيا لتكون عنصرًا بصريًا نابضًا بالحياة، إذ استُخدمت الإضاءة والديكورات بذكاء لترسم ازدواجية المشهد: زرقة البحر كنافذة نحو الخلاص، وظلام الأعماق كرمز للنهاية المحتملة. وفي تفاعل متناغم بين الصورة والصوت، كان المتلقي أمام تجربة حسية تنقله إلى عوالم المهاجرين السريين، حيث يصبح القارب خشبة، والموج قدرًا، والصمت لغة الخائفين.

تراجيديا الواقع.. بحث عن المعنى
تميز النص المسرحي بعمقه الفلسفي، حيث لم يقتصر على تناول الهجرة السرية كمأساة اجتماعية، بل طرحها كإشكالية وجودية، تسائل معنى الحياة، وحدود الإنسان أمام مصيره. بين حوارات تنبض بالألم، وصمت يحكي أكثر من الكلمات، يتلاشى الفاصل بين التراجيديا والواقع.

نجح فريق التمثيل في تقديم أداء استثنائي، حيث جسّد الممثلون بانسيابية مشاعر الخوف، الأمل، الحيرة، والتمرد. لم تكن الشخصيات مجرد أدوار تُؤدى، بل بدت كأرواح حقيقية تائهة في بحر المصير، مما جعل التفاعل بين المسرح والجمهور يتجاوز المشاهدة التقليدية إلى حالة من التماهي العاطفي العميق.

“رحلة الضياع”.. أكثر من عرض مسرحي

إن “رحلة الضياع” ليست مجرد مسرحية، بل صرخة فنية في وجه واقع مأزوم. إنها شهادة درامية تضع المشاهد أمام مرآة الحقيقة، بعيدًا عن الخطابات الجاهزة والتعاطف العابر. فالهجرة، كما يطرحها العمل، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل حالة إنسانية معقدة تستوجب تفكيرًا أعمق في الأسباب والنتائج.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.