رجل في ذاكرتي: السيد المجاد حميد بن المختار.

0 505

بقلم : الكاتب محمد الهرݣال

في حياة كل واحدٍ منا أشخاص يمرّون مروراً عابراً، وآخرون يتركون فينا أثراً لا يُمحى مهما مرّت السنوات. ومن بين هؤلاء، يظلّ السيد المجاد حميد بن المختار واحداً من أعظم من عرفت، رجلاً نبيلاً علّمني من غير أن يقصد، وربّاني دون أن يفرض.

عندما حصلت على شهادة البكالوريا، كانت فرحتي ممزوجة بالقلق. فقد كان عليّ أن أترك مسقط رأسي وأسافر إلى العاصمة لمواصلة دراستي الجامعية. لم تكن الظروف سهلة، لا مادياً ولا نفسياً، لكن القدر يسّر لي أن أجد باب السيد حميد مفتوحاً. كان يسكن هناك، وسط أبنائه، رجلاً وقوراً من كبار مقاولي الغابات، يعرفه الجميع بكرمه اللامحدود ووجهه البشوش.

استقبلني في بيته كما يستقبل الأب ابنه الغائب. لم أشعر بالغربة لحظة واحدة، بل أحاطني بحبٍ ورعاية نادرتين. كنت مجرد شاب يحب العلم والدراسة، لكنه رآني بعين أخرى. رأى فيّ ما لم أره في نفسي بعد، فشجعني ووقف إلى جانبي، خصوصاً حين لاحظ تفوقي في اللغة الإنجليزية. كان يعاملني باحترام كبير وتوقير غير عادي، كأنني واحد من أولاده، بل أكثر.

كان مثالاً للأخلاق النبيلة والشهامة والكرم. من خلال معاشرتي له، لم أتعلم فقط معنى الكرم، بل تعلّمت كيف يكون الإنسان عظيماً بتواضعه، كبيراً بقلبه، ونبيلاً بسلوكه. كان يعين الناس دون أن ينتظر شكراً، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، وكأن هموم الناس همومه الخاصة.

وكلما مرّ طيفه بذاكرتي، وكلما استرجعت تلك الأيام التي قضيتها في بيته، تنهمر الدموع من عيني دون استئذان. ليس فقط لأنني أفتقده، بل لأن وجوده كان سنداً عظيماً، ولأن العالم بعده بدا أقل دفئاً، وأقل وفاءً.

لقد غرس هذا الرجل في قلبي قيماً ستظل حيّة ما حييت: الوفاء، والكرم، والإخلاص. ولهذا، ووفاءً له، أكتب عنه اليوم، لا لأن الكلمات قادرة على ردّ الجميل، بل لأن الذكرى الطيبة صدقة جارية، ولعلّ هذا المقال يكون عربون محبة خالدة لرجل لم يكن عادياً، بل كان قدراً جميلا في حياتي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.