حين يهزم القلب قبل أن يهزم الإنسان

0 1٬032

صور من الواقع بقلم زميل الحاج عبد السلام-

في أحد أحياء المدينة الهادئة، كان الحاج عبدالسلام يعيش أيامه الأخيرة في بيت صغيرٍ تملؤه الذكريات أكثر مما يملؤه الأثاث. بلغ من العمر عتيا، وانحنى ظهره كما تنحني الأغصان تحت ثقل السنين، لكنه ظل يحتفظ بقلب لا يعرف إلا الحب… خصوصا لابنته الوحيدة، سلمى.

سلمى… كانت يوما كل حياته. حملها صغيرة، وسهر على مرضها، وعمل ليلا ونهارا ليؤمّن لها مستقبلا أفضل. لكنه لم يكن يعلم أن الزمن، حين يقسو، لا يكتفي بتجاعيد الوجه، بل يغير القلوب أيضا.

بعد طلاقه من زوجته، أخذت الأم ابنتها، وغرست فيها شيئا فشيئا بذور الكره. لم يكن الأمر مباشرا في البداية… بل كلمات عابرة، نظرات مشحونة، روايات ناقصة عن الأب، تقال في لحظات ضعف وغضب.

“أبوك ظلمنا… تركنا… لا تهتمي به.”

كبرت سلمى على هذه الرواية الوحيدة. لم تسأل، لم تبحث، فقط صدقت.

مرت السنوات، وكبر الأب… واشتد عليه المرض والوحدة. قرر يوما أن يرى ابنته، اشتاق لصوتها، لضحكتها التي لم تغب عن ذاكرته يوما.

طرق بابها.

فتحت له، لكن عينيها لم تحملا أي أثر لتلك الطفلة التي كان يعرفها.

قال بصوت متعب: “سلمى… جئت فقط لأراك.”

نظرت إليه ببرود، وقالت: “لماذا جئت؟ ألم تكتف بما فعلت؟”

تجمدت الكلمات في حلقه. لم يفهم… أو ربما فهم، لكنه لم يتخيل أن يصل الأمر إلى هذا الحد.

حاول أن يقترب، لكنها تراجعت خطوة وكأنها تهرب من غريب، لا من أبيها.

“أرجوك… فقط اجلسي معي قليلا.”

لكنها لم تجلس.

بل بدأت كلماتها كالسياط: “أنت السبب في كل ما عشناه… أمي تعبت بسببك… أنت أناني… لو لم يكن كد أمي لما وصلت إلى هذا المستوى!”

كل كلمة كانت تسقط على قلبه كحجر.

لم يدافع عن نفسه… لم يقل الحقيقة… فقط نظر إليها بعينين امتلأتا دموعا، وقال: “كنتُ أتمنى فقط… أن تسمعي مني.”

ثم استدار ببطء… وغادر.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم. جلس وحده، يتذكر طفولتها… أول كلمة قالتها… أول مرة نادته “بابا”.

همس: “رباه… اشهد أني لم أرد بها سوءا.”

بعد أيام قليلة، جاء الخبر.

رحل الحاج عبدالسلام.

وحيدا.

وصل الخبر إلى سلمى. لم تبك في البداية… لكن شيئا غريبا بدأ يتحرك في داخلها. ذهبت إلى بيته، لأول مرة منذ سنوات.

دخلت.

كان كل شيء كما تركه… إلا هو.

وجدت صندوقا صغيرا على الطاولة.

فتحته.

كانت فيه صورها… منذ طفولتها… ورسائل لم ترسل.

إحداها كانت مكتوبة بخط مرتجف:

“سلمى… إن قرأت هذه الرسالة يوما، فاعلمي أني أحببتك أكثر مما استطعت أن أعبر. سامحيني إن قصرت، لكني لم أكن يوما عدوك.”

انهارت.

بكت كما لم تبكِ من قبل.

لكن هذه المرة… لم يكن هناك من يسمع.

جلست على الأرض، تحتضن الصور، وتردد: “بابا… سامحني…”

لكن الصوت ضاع في الفراغ.

ليست كل قصة عقوق صراخا وشتائم…
أحيانا تكون كلمة قاسية، أو قلبا أغلق بسبب رواية واحدة.
والأصعب…
أن بعض الندم يأتي متأخرا جدا…
حين لا يبقى إلا الدعاء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.