حين تتحول الكرة إلى أداة للفتنة!….

0 632

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

لم تكن كأس إفريقيا الأخيرة مجرد بطولة رياضية تقاس بنتائجها داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت مع الأسف، إلى مشهد درامي مفتوح، كشف حجم الهشاشة التي أصابت الوعي الجمعي داخل القارة الإفريقية، وسهولة ٱنزلاق بعض المجتمعات إلى خطاب الكراهية والتمييز، على خلفية لعبة كان يفترض أن تجمع ولا تفرق.

 

فبعد أن أُسدل الستار على المنافسات، لم تهدأ النفوس، بل تصاعدت حدة التوتر، وبرزت ممارسات عنصرية وخطابات إقصائية بين أبناء القارة الواحدة، في مشهد يبعث على الحزن والأسى.

ولم يعد الأمر مجرد تعبير عن فرح أو خيبة أمل، بل تجاوز ذلك ليصبح ٱنعكاسا لصراعات أعمق، تتغذى من واقع سياسي دولي يتقن ٱستثمار الرياضة كأداة من أدوات التأثير والضغط.

إن العالم اليوم لا ينظر إلى الرياضة بٱعتبارها مجالا محايدا، بل يوظفها ضمن ما يعرف بالقوة الناعمة، حيث تستعمل البطولات الكبرى لتوجيه الرأي العام، وصناعة الصور النمطية، وإعادة إنتاج الإنقسامات، خصوصا داخل المناطق التي تعاني أصلا من هشاشة ٱقتصادية وٱجتماعية. وإفريقيا، بثقلها الديموغرافي وموقعها الإستراتيجي وثرواتها الهائلة، ليست بمنأى عن هذا الإستهداف الممنهج.

المؤلم أن هذه الصراعات تغذى أحيانا بأيدي داخلية، حين ينساق بعض أبناء القارة وراء خطاب إعلامي متشنج، يعيد إحياء النزعات العنصرية، ويحول الإختلاف الرياضي إلى صراع هويّداتي، يخدم بوعي أو بدونه، أجندات لا يهمها ٱستقرار الشعوب، بقدر ما يهمها ٱستمرار الإنقسام، وإشغال المجتمعات بصراعات هامشية تبعدها عن قضاياها الحقيقية.

وما يزيد الغصة عمقا، أن هذه الإنزلاقات تقع بين شعوب يجمعها الدين الواحد والتاريخ المشترك والمصير المتداخل. فالإسلام، الذي جاء ليسقط كل أشكال العصبية والتمييز، تحول في بعض الخطابات إلى مجرد شعار فارغ، لا يمنع أصحابه من الوقوع في مستنقع العنصرية، ولا يحول دون تبادل الإهانات والإتهامات، وكأن القيم الأخلاقية تعلق مؤقتا عند صافرة البداية.

 

إن أخطر ما خلفته هذه الأحداث ليس الجدل العابر ولا الخصومات الإفتراضية، بل تطبيع خطاب الكراهية، وجعل الإقصاء أمرا مقبولا، بل ومبررا بٱسم الدفاع عن الفريق أو الوطن.

وهو مسار خطير، إن ٱستمر، ستكون له تبعات ٱجتماعية ونفسية وسياسية عميقة، تبدأ بشرخ في النسيج المجتمعي، وقد تنتهي بزعزعة الإستقرار داخل دول هي في أمس الحاجة إلى الوحدة والتماسك.

 

أكتب هذه الكلمات، والغصة في القلب، لا حزنا على بطولة ٱنتهت، بل أسفا على أخوة تستنزف، وعلى وعي يستهدف، وعلى شعوب يراد لها أن تبقى متناحرة، بدل أن تتوحد حول معاركها الكبرى «التنمية، والعدالة، والكرامة، والتحرر الحقيقي من كل أشكال التبعية».

فالكرة في جوهرها، يجب أن تبقى مساحة للفرح والتنافس الشريف، لا أداة لإشعال الفتنة. وما خسرناه بعد كأس إفريقيا، أخطر بكثير مما ربحه أي منتخب… فقد خسرنا شيئا من إنسانيتنا، وذلك هو الفقد الحقيقي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.