م.س : بيان مراكش
أعادت أحداث العنف التي رافقت نهائي كأس إفريقيا للأمم إلى الواجهة خطابا يبرر الإنغلاق، بل ويكاد يشرعن نزعات عنصرية، من خلال تعميم سلوكات أفراد على شعوب بأكملها، وقد وجد هذا الخطاب في مقولة عبد الله العروي “المغرب جزيرة” مادة جاهزة للإجتزاء والتوظيف خارج معناها وسياقها التاريخي..
غير أن إختزال فكر العروي يعد تبسيطا مخلا .. فالعروي لا يكتب من داخل الحدث بل من مسافة نقدية تعتبر أن ما يحرك التاريخ ليس القيم المجردة، بل المصالح والوقائع ،ومن هنا جاءت مقولة “المغرب جزيرة” توصيفا لوضع جيوإستراتيجي محدد، لا دعوة إلى الإنغلاق أو القطيعة مع الآخر.
و السياق الأصلي للمقولة يعود إلى نقاش حول الموقف من أزمات المشرق ،حيث ميز العروي بين التعاطف الإنساني المشروع، وبين تحميل مجتمعات بعيدة جغرافيا مسؤولية أزمات لا تمتلك أدوات التأثير فيها، وفي لحظة إقليمية مطبوعة بإغلاق الحدود البرية والصراع حول السيادة البحرية، إعتبر أن المغرب يتصرف عمليا كجزيرة مطوقة، بحكم الجغرافيا لا الأيديولوجيا،
هذه الفكرة ليست طارئة في فكر العروي، بل تتكرر في كتاباته، حيث يبرز أثر الجغرافيا في تشكل التاريخ المغربي، مفسرا عزلة المغرب عن “الإيالة” العثمانية، ومميزا مساره التاريخي عن باقي شمال إفريقيا، كما يفكك وهم الخصوصية الثابتة.. مؤكدا أن الهوية والسياسات رهينة بالتحولات، وأن الإحتمالات التاريخية قد تتحقق ثم تلغى.
وفي كتاباته كذلك ، يعود العروي إلى المقولة نفسها بنبرة أقل اطمئنانا، معتبرا أن المغرب محكوم بالإشتغال في محيط إقليمي معاد، ليس إختيارا بل قدرا جغرافيا ،ومع ذلك يرى أن إنفتاحه على العالم يمنحه فرصا أفضل للاستفادة من التحولات العالمية، مقارنة بدول ما تزال أسيرة منطق الصراع.
أما إفريقيا التي يستعمل إسمها أحيانا في الخطاب العمومي كبديل عاطفي أو ظرفي، فيراها العروي إمتدادا تاريخيا وبنيويا للذات المغربية، وجزءا من مشروع طويل المدى لفهم الذات وبناء المستقبل، لا ورقة توظيف في لحظات التوتر ..
إن استعمال مقولة “المغرب جزيرة” لتبرير الإنغلاق أو العداء يفرغها من معناها التحليلي، ويحول فكرا نقديا مركبا إلى شعار إيديولوجي سطحي ، فالعروي لم يكن يوما داعية عزلة، بل مفكرا يحذر من الأوهام، ويدعو إلى قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون .
فاليوم لا تكمن خطورة مقولة “المغرب جزيرة” في ذاتها، بل في الطريقة التي تقتطع بها من سياقها وتحمل ما لم تقله ، فعبد الله العروي لم يكن بصدد الدعوة إلى الإنغلاق أو الإنفصال عن المحيط، بل إلى فهم شروط الوجود السياسي كما يفرضها التاريخ والجغرافيا، بعيدا عن العواطف والشعارات ، إن تحويل الفكر النقدي إلى ذريعة للنبذ أو العداء ليس سوى علامة على فقر في القراءة، وعجز عن التمييز بين التحليل والوصفة الجاهزة ، وفي زمن تتسارع فيه الإنفعالات، يظل الرهان الحقيقي هو إستعادة المعنى، لا البحث عن مبررات سهلة للإنسحاب من العالم.