✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
ليست المرة الأولى التي تتحول فيها مدينة مغربية إلى ورش مفتوح في ساعات، وكأن عصا سحرية مرت من هناك، لا لشيء سوى لأن زيارة ملكية كانت مرتقبة.
الأرصفة تطلى على عجل، الحفر تردم في ليلة وضحاها، الأزبال تختفي فجأة، والوجوه المتعبة للمرافق العمومية تتزين بمساحيق مؤقتة… مشهد يتكرر حتى صار مألوفا، لكنه في عمقه يثير كثيرا من الأسئلة المؤلمة.
ما حدث مؤخرا في “مراكش” ليس ٱستثناء، بل هو نموذج مكثف لوضع تعيشه مدن عديدة…
زيارة ملكية كانت مبرمجة، فٱستنفرت السلطات كل طاقاتها، وتحركت الآليات، وٱشتغل المسؤولون بنفس محموم، وكأن المدينة لم تكن تستحق كل هذا الإهتمام إلا بقدوم حدث ٱستثنائي!
لكن، المفارقة الصادمة جاءت حين ألغيت الزيارة في آخر لحظة… لتبقى الأسئلة معلقة في الهواء:
– لماذا لا تتحرك هذه الدينامية إلا تحت الضغط؟
– ولماذا لا يكون هذا الإستنفار حالة دائمة من أجل المواطن البسيط؟
الساكنة من جهتها، وجدت نفسها بين شعورين متناقضين:
-ٱمتنان خجول لتحسن ظرفي ولو كان بسيطا.
-وغضب عارم من واقع يكشف أن ما هو ممكن في ساعات، يتم تأجيله لسنوات!!
– كيف يمكن لحفرة أن تبقى شهورا، ثم تردم في ليلة واحدة؟
– وكيف تترك النفايات تتراكم أمام أعين الناس، قبل أن تختفي فجأة وكأنها لم تكن؟
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في إلغاء زيارة أو تأجيلها، بل في الضمائر التي تجعل من الخدمة العمومية فعلا موسميا مرتبطا بالخوف لا بالواجب!!!
حين يصبح المسؤول أكثر حرصا على تجنب (الغضب الفوقي) من حرصه على كرامة المواطن، فإننا أمام خلل عميق في ترتيب الأولويات.
المواطن المغربي لا يطلب المعجزات، ولا ينتظر زيارات رسمية ليحظى بحقه في بيئة نظيفة، وطرق صالحة، وخدمات لائقة… ما يريده ببساطة هو أن تدار مدينته بعقلية الإستمرارية لا بعقلية المناسبات، وأن يشعر أن كرامته لا تستدعى فقط عند مرور الموكب.
إن ما وقع في مراكش يجب أن يقرأ كرسالة واضحة:
«القدرة موجودة، والإمكانيات حاضرة، لكن الإرادة تستنفر فقط حين يسلط الضوء!».
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية… معضلة مدن تزين للواجهة، وتترك في العمق تعاني.
وبين دهشة الإلغاء وغضب الواقع، يبقى السؤال الجوهري قائما:
– متى تصبح خدمة المواطن واجبا يوميا لا مناسبة عابرة؟
– ومتى يدرك بعض المسؤولين أن الرقابة الحقيقية ليست فقط من فوق، بل من ضمير حي، ومن مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية؟
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل مدننا تعيش على إيقاع (الزيارات)، وستظل الحقيقة تنكشف كلما ألغيت واحدة منها.