…….. جدل لن ينتهي قريبا.

0 641

 

………بقلم : علي درويش

🚅🚄🚅🚄

ليتني لم أطرق معه موضوعا شائكا كهذا يستفز شهيته للكلام، حتى كاد موعد مرور القطار المتجه إلى الغرب يفلت مني.

كان مضطجعا فاستقام في جلسته، وأمسك بيدي بقوة وسحبها نحوه، نظر إليّ مطولا قبل أن يعاتبني بصوت به خليط من غضب:

“تلومني كأنني أنا من أجَّجْتُ الخلاف بيني وبينه؟ والأولى أن تقول بيننا وبينه.

كن منصفا يا ابني! صاحبك الذي تدافع عنه قد نصَّب نفسه حارسا لأبواب الآخرة، بيده مفاتيح الجنة ومفاتيح النار، يزعم أنه يحتكر الحقيقة المطلقة ، وأن ما عداها، مروق وفسوق وزندقة وعصيان وكفر.

كن منصفا، يا هذا! حفظك الله، واسمع الحكاية من البداية.

صاحبك بدأ صغيرا مثل ندفة ثلج تافهة، كبُرت وتقوّت ثم تدحرجت من أعلى حتى التفت على ما في طريقها، لتجرف الأخضر واليابس، فغطت الأزهار والأشجار، ومحت منظر الطبيعة الأصلية، وألبستها لونا أبيض مثل لون الكفن لا ثاني ولاثالث له.

أنت تعلم أن صاحبنا غاب في الشرق مطولا، وحين عاد، بدا لنا في هيئة شخص غريب قد قص الشارب وأرخى اللحية، وارتدى عباءة أفغانية ونعلا خليجيا، عاد عابسا لا يبتسم، كلما قمنا للصلاة سارع الى التسوك، وانتحى جانبا يصلي بمفرده كأنما نحن نجس،

صاحبك، يعيب علينا كل شيء: يعيب فهمنا المارق للدين، يعيب مأكلنا ومشربنا الحرام، وحين يخلو بالشباب الذكور، يؤلبهم ضد الفتيات المتجهات الى المدرسة، بل يحرضهم ضد من خرجت منهن بشعر مكشوف..

صاحبك، يفتي في كل شيء، وكلما أفتى في نازلة إلا وردد عبارات هي لازمته المكررة كأنما برمج عليها ولم يحفظ سواها :

(السلف الصالح، شيخ الأمة، بلاد الكفار…!)

صاحبك، صار يستقطب شباب القبيلة ليشكل حوله من أسماهم بالجماعة …

حين قَدِم من الشرق بعد غياب ، يا ابني، كان فقيهنا سي المامون أولى ضحاياه، فقيهنا الذي كان إرثا أخذناه عن آبائنا ، سي المامون علّم أجيالا ورباها وأنت منهم يا بني.

فقيهنا كان يقف مع اطلالة كل صباح أمام الكتّاب يستقبل “المحضرة” بلباسه الأبيض المغربي الأصيل، ممسكا بفرع زيتون اتخذه عصا يهش بها على الصغار كي ينضبطوا في الصف، أما بداخل الكُتّاب فيجلس القرفضاء قبالة جماعة من صغار يتنافسون على القراءة جهرا، يستظهرون ما خطت أقلامهم من قصب على ألواحهم الخشبية.

قلما تخلو حصصه من فلقة وضرب مبرح، ذلك الفقيه الذي ينتظر “حق الأربعاء” كما تنتظرون أنتم -معشر الموظفين- أجرتكم الشهرية.

أنسيتَ؟ كم كنتَ أنت وأترابك الصغار تَسعدون حين تتحررون بغياب سي المامون لسبب ما أو يوم ذهابه الى السوق الأسبوعي؟

ذلك فقيهنا، حامل كتاب الله، الذي لم تكن تخلو من حضوره وليمة، يتوسط الجماعة ولا يُوزَّع الشاي المنعنع إلا وقد شنف أسماع الحاضرين بآيات من الذكر الحكيم وأردفها بقراءة جماعية على الطريقة المغربية نؤديها جميعنا خُشعا متمايلين.

سي المامون المبتسم دائما، يفيد مجالسنا ببعض ما في كتب الأذكار والنظم من قبيل (دليل الخيرات) الذي احتفظ به هناك في صندوقي، وابن عاشير وبردة البوصيري، قبل أن يختم اللقاء ب”آمن الرسول” يعقبها بدعاء مطول بصلاح البلاد والعباد..، كن منصفا يا ابني!”.

هدأَ روع الحاج قليلا، فانتهزت الفرصة وأنا أطل على ساعتي اليدوية، لأسترجع يدي من قبضته، مرددا بصوت خافت:

“فهمت، يا أبي، فهمت أنك تقصد أفكارا متشددة مستوردة سرَت في أوساط الشباب كما يسري اللهب في الهشيم فهددت تدينكم على الطريقة المغربية الأصيلة!”

قاطعني:

“مادمت فهمت ، فلماذا تلومني على أنني استنكرت أمام القبيلة أن يمسخ هذا الوافد هويتنا؟ أيرضيك أن نستبدل الأصيل بالدخيل؟، أجب! أقنعني! إن وجدتني على خطإ”

قاطعته :

“حاشا أن تكون على خطإ ! لكن ما ذلك قصدتُ، ماذلك، يا حاج، ما قصدته أبعد من ذلك..! ولكن للحديث بقية ، أستودعك الله، أريد أن ألحق بالقطار… موعد مرور القطار قد يفوتني يا أبي !”

قلتها وأنا أقبل يده وانسحب وفي النفس بقية من حديث يبدو أنه ليس على وشك أن ينتهي.

ع.د

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.