تفويت عقار بالحي الشتوي بجليز، صفقة صامتة في قلب مراكش.
في سياق تتبع تدبير الشأن المحلي بمدينة مراكش، نسلّط الضوء اليوم على إحدى الصفقات التي قام بها المجلس الجماعي، والمتعلقة بتفويت بقعة أرضية استراتيجية بالحي الشتوي ذات الرسم العقاري رقم2574/م مساحتها 2367 متر مربع بزقة شفشاون في موقع بالغ الحساسية قبالة مقر الحوض المائي وأمام ملعب الحارثي، وسط جليز.

العقار، الذي يُصنف ضمن أغلى المواقع بالمدينة، تم تفويته بثمن لا يتجاوز 3000 درهم للمتر المربع، في حين أن القيمة السوقية المتداولة في المنطقة قد تصل إلى 30 ألف درهم للمتر المربع أو أكثر، بحسب مهنيين وخبراء في القطاع العقاري. الفارق شاسع، ويطرح علامات استفهام مشروعة حول منطق التقييم وحول الجدوى الحقيقية من هذا القرار.
الأكثر إثارة للانتباه أن عملية التفويت مرت خلال إحدى دورات المجلس الجماعي دون نقاش يُذكر، ودون إثارة أي جدل يتناسب مع أهمية الموقع وقيمته. لم يتحول الملف إلى موضوع نقاش مستفيض داخل الجلسة، ولم يُفتح نقاش عمومي واسع حول خلفيات القرار أو مآلاته، فمرّ التفويت بسلاسة لافتة رغم حساسية المعطيات المرتبطة به.
في المقابل، ظل بعض نواب العمدة وعدد من المساندين يرددون رقم 1500 مليار سنتيم التي قيل إنها جُلبت لمراكش، باعتبارها غلافاً مالياً ضخماً سيضع المدينة على سكة حل شامل لمشاكلها البنيوية، وجرى الترويج لذلك على أنه “باك شامل” كفيل بإعادة ترتيب أولويات التنمية المحلية.
غير أن السؤال الجوهري اليوم هو:
عن أي “باك شامل” نتحدث؟
وعن أي رؤية استراتيجية يجري التبشير بها، في وقت تواصل فيه الجماعة تفويت ممتلكاتها العقارية في مواقع استراتيجية؟
إذا كانت مداخيل الجماعة في تحسن، والاعتمادات المعلنة بهذا الحجم الكبير، فلماذا اللجوء إلى بيع عقار في قلب جليز؟ وهل تحتاج الجماعة فعلاً إلى تصفية جزء من رصيدها العقاري لتعزيز مواردها، أم أن الأمر يتعلق بخيارات تدبيرية تستوجب مزيداً من الشرح والتوضيح؟
القضية هنا لا ترتبط فقط بالفارق الكبير بين سعر التفويت (3000 درهم للمتر) والقيمة المتداولة في السوق (حوالي 30 ألف درهم للمتر)، بل بمبدأ حماية الملك الجماعي ذاته. فالعقار العمومي ليس مجرد أصل قابل للبيع عند الحاجة، بل هو رافعة تخطيطية واستراتيجية يجب توظيفها لخدمة المصلحة العامة، سواء عبر مشاريع عمومية أو شراكات واضحة المعالم.
اليوم، وأمام الرأي العام، تتجدد الأسئلة الموجهة إلى رئيسة المجلس المنصوري ونوابها:
من هي الجهة التي استفادت من هذا العقار؟
وما طبيعة المشروع المزمع إنجازه فوقه؟
وما المبررات التي دفعت إلى تفويته بهذا الثمن تحديداً؟
مراكش، وهي مدينة ذات رمزية وطنية ودولية تحتاج إلى وضوح في تدبير أصولها الاستراتيجية، فالأرقام الكبيرة لا تكفي وحدها لإقناع الساكنة، ما لم تُترجم إلى قرارات منسجمة تحافظ على ممتلكات الجماعة بدل التفريط فيها.