يجمع المتتبعون للفن التشكيلي المغربي على أن الأثر الابداعي للفنان العصامي الراحل عباس صلادي (1992-1950) تجاوز الحدود بين التجريد والتشخيص، وكرس بالتالي المقولة الشهيرة للروائي الفرنسي من أصول تشيكية ميلان كونديرا “ليست المعارف الرحبة هي التي تميز العصامي عن المتمدرس، بل الدرجات المختلفة للحيوية والثقة بالنفس” .
هذه الحقيقة الناطقة تم الوقوف عندها خلال فعاليات الملتقى الثاني للفنانين العصاميين، الذي نظم مؤخرا بالمركب الثقافي سيدي بليوط بالدار البيضاء تحت شعار “الحق في الإبداع”، تكريما لروح الفنان الراحل عباس صلادي، حيث أبرز ثلة من النقاد و التشكيليين أن ” العصامية المفعمة بعمق الاحساس المرهف التي تميزت بها شخصية صلادي كانت حاضرة بقوة في لوحاته التشكيلية إذ يتخذ التعبير عن دواخله وجوارحه صيغا مرئية و لامرئية”.
من هذا المنطلق، يرى الناقد الفني عبد الله الشيخ في قراءته للشخصية الابداعية لصلادي أنه عبرالاسم الحركي و الإشكالي للجيلالي الغرباوي “تطالعنا لا محالة إشراقات الفنان العصامي عباس صلادي الذي انطبعت سيرته الذاتية بمأساة اتخذت من الفقر و المرض العصابي علامات بارزة لها”، مبرزا أن لوحتي صلادي الشهيرتين “الرجل الأسود” و “وصول الأبرياء” هما بيان جرح أعمال صلادي و سر تجربته الروحية.
إن عملية الإبداع من منظور صلادي ، يضيف عبد الله الشيخ ، هي ولادة عسيرة ومستمرة مبدؤها قول رفيق دربه الشاعر عبد الله زريقة ” كان لا يرسم شخوصه فقط ، وإنما يعايشهم في كل كبيرة وصغيرة (..) كان يعيش عالمه الآخر ويؤمن بأن الإبداع لم يخلق هكذا عبثا وإنما للحياة فيه ومن أجله ، حتى كبر عالمه الآخر هذا أمام عينيه، فغلب على عالمه الأول”.
و يلاحظ أن فسيفساء أعمال صلادي تخضع، إذن، إلى طريقة الهدم وإعادة البناء في شكل معالم كرنفالية تحيط باللوحة، وكأنها نسيج من لغات الطبيعة المرتبطة ببلاغة الجسد، مبرزا أن هذه الصورة المثالية المتبصرة والمتخيلة في الخيال المنفصل تتجلى وكأنها أرواح نارية أو نورانية تتسم بالدرجة القصوى للتجريد بالمفهوم الصوفي للكلمة.
فالرسم عند الصلادي ، بحسب عبد الله الشيخ ، ” رسم للمصير الثقافي والحضاري، إنه حيرة الإبداع حين تمتلك الفنان حيرة صلادي مشفوعة بالتجلي والكشف عن فيض الصور والمشاهد الانسيابية التي تتأسس وفق مبادئ النظر الفكري والخيال والشهود”، متسائلا “ألا يمكن أن نسلم بأن صلادي يقوم بجذب قلوبنا الى حضرته قصد تحقيق سموها ومشاهدة أسرارها ومناجاتها ومخاطباتها ؟ أليس الفن مقام القرب والبعد والصدق والصفاء؟”.
من جهتها ، تعتبر الفنانة العصامية زهرة ألكو ، رئيسة جمعية “إبداع وتواصل ” ،و هي الجهة المشرفة على تنظيم الملتقى الثاني للفنانين العصاميين ،أن الاحتفاء بذاكرة عباس صلادي يأتي بوصفه من الفنانين العصاميين النموذجيين و الباحثين عن مسالك جديدة، مبرزة انه “خارج عزلة فنه بمحترفه بمراكش، كان شخصية انطوائية تحلق في معارج الإبداع الغرائبي”.
و بعد أن شددت على أن العصامية “هي الإرادة التي ستخلق الانسجام الداخلي لأرواحنا”، أكدت زهرة ألكو أن هذا الانسجام “هو الذي شكل حياة المسار الإبداعي للفنان العصامي عباس صلادي ، حيث الأثر الإبداعي يتجاوز الحدود بين التجريد والتشخيص”، و مبرزة في الوقت ذاته أن الفنانين العصاميين “يشكلون اليوم قاعدة ذهبية واستثناء ( .. ) فبيانهم هو كونوا عصاميين، ولا تنتظروا دروسا من الحياة ” .
و يبقى عباس صلادي، ابن مراكش، تشكيليا عصاميا فدا ، وذاكرة إبداعية تشربت بدروس الفلسفة ، وعرفت باستلهامها للذاكرة الشعبية، بحكم انبعاثه من دروب و أزقة المدينة القديمة للمدينة الحمراء ومنها عانق العالمية من خلال لوحاته التي بيعت احداهن ،و تحمل اسم ” الهدية ” ، سنة 2015 ،بما يعادل 5 ملايين و 83 ألف و 847 درهم، في ما شكل سعرا قياسيا بالنسبة لأعمال هذا التشكيلي الراحل .