العلاقات المغربية- السنغالية في بعدها الديني.. نموذج للأخوة المتجذرة في التاريخ

0 3٬630

تشكل العلاقات الدينية بين المغرب والسنغال، التي نسجت أول مرة بفعل قوافل التجار والعلماء المغاربة التي كانت تتجه نحو إفريقيا بشكل عام والسنغال بالخصوص، حاليا نموذجا يحتذى به ومثالا للأخوة والتعاون الذي ترسخ عبر الزمن بحيث أصبحت بمثابة حصن منيع ضد أي محاولة للتطرف من شأنها زعزعة إيمان ساكنة البلدين.

ويتعلق الأمر هنا بأساس متين ترتكز عليه العلاقات الثنائية الأخوية والمتميزة التي تعد بمستقبل أكثر إشراقا بقيادة زعيمي البلدين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس والرئيس السنغالي ماكي سال.

وبالفعل، فإن البلدين يستندان إلى نفس المرجعية الروحية، القائمة على الإسلام السني الذي يعززه الالتزام المشترك بالعقيدة الأشعرية وبالمذهب المالكي. وتشكل الطريقة التيجانية مع كل الحمولة الروحية التي تكتسيها مدينة فاس التي تحتضن ضريح الشيخ أحمد التيجاني، مؤسس الطريقة، نقطة أخرى قوية للتقاطع بين المدينة الروحية للمملكة وتيواوان في السنغال من شأنها تكريس الارتباط الروحي بين الشعبين.

وبفضل الانخراط الشخصي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، التي كان للعديد من المبادرات المحمودة لجلالته في المجال الديني صدى قوي سواء في إفريقيا أو غيرها، شكلت هذه الروابط الروحية، من دون شك، قوة دفع للتعاون المغربي- السنغالي ومصدر إشعاع الإسلام الوسطي والمتسامح الذي ينادي به المغرب.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن جلالة الملك، منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، لم يتوان في مضاعفة الجهود لصالح تعزيز القيم النبيلة للدين الحنيف. وهي جهود تبرز على الخصوص في بناء المساجد في العديد من البلدان الإفريقية، والحضور المنتظم للعلماء الأفارقة في الدروس الحسنية لشهر رمضان المبارك، وإنشاء رابطة علماء المغرب والسنغال، ومعهد الدراسات الإفريقية، وتنظيم مؤتمرات حول الطرق الصوفية، وتقديم هبات تتكون من نسخ من المصحف المحمدي الشريف برواية ورش عن نافع لفائدة عدد من بلدان القارة الإفريقية.

ولإعطاء دفعة حقيقية لتعزيز قيم الإسلام الحقة، جاء إحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في يوليوز 2015، في الوقت المناسب، للتعريف بقيم الإسلام السمح ونشره وتعزيزه.

وقال الشيخ محمد مامون فاضل امباكي، المسؤول في الطريقة المريدية بالسنغال، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، “نحن متمسكون جدا بالثوابت المغربية، خاصة رواية ورش، والمذهب المالكي والتصوف السني، وهو ما يشكل رصيدا مشتركا وإرثا بين السنغال والمغرب”.

وأضاف أن “هذه العلاقات القائمة منذ أمد بعيد، تعززت أكثر بفضل، على الخصوص، إنشاء مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، مما يعكس تمسك المغرب بتعزيز هذه الروابط على المستوى الديني مع السنغال وإفريقيا بشكل عام “.

وقال “إن العديد من الأطر السنغالية تم تكوينهم في المغرب، سواء المدنية منها أو العسكرية، مشيرا إلى أن ما يربط دكار والرباط هي علاقات متعددة الأبعاد تجمع بين الشعبين الشقيقين.

وأشار إلى أن “الكثير من الأطر السنغالية هم من أتباع الطريقة المريدية لمؤسسها الشيخ أحمدو بامبا، الذي نشر له أول كتاب في المغرب بين عامي 1915/1916”.

وأكد السيد بوميد كونتا، الناطق باسم الطريقة الكنتية القادرية بالسنغال في تصريح مماثل، أن العلاقات السنغالية- المغربية “جيدة ومتينة جدا”، مضيفا أن خصوصية هذه العلاقة تنبع من تعدد العوامل التي تكمن وراء ذلك.

وفي هذا السياق، أبرز السيد كونتا أوجه التشابه في الممارسة الدينية وفي الثقافة بشكل عام بين المغرب والسنغال، مشيرا إلى أن الإسلام أتى للسنغال بفضل الأسرة الحاكمة المغربية المرابطية.

وبخصوص الممارسة الصوفية في السنغال، أشار الناطق باسم الطريقة الكنتية القادرية بالسنغال إلى أنه بفضل الطرق الصوفية، يحتل التصوف مكانة مرجعية في الحياة الدينية للسنغاليين.

وأشار في هذا الصدد إلى أن أي طريقة، مثل القادرية الكنتية التي دخلت السنغال منذ عام 1800، تتواجد لديها زاوية في المغرب، وهو ما يعكس “العلاقة الروحية” التي تربط البلدين.

وأضاف أنه “على مستوى الثقافة، فإن قرب جنوب المغرب من السنغال يسهل هذا التبادل الثقافي المفيد والذي يشكل جسرا متينا بين البلدين”، مشيرا إلى أن العامل الاقتصادي ساهم كثيرا في استمرار الروابط الثقافية والدينية.

وأكد أن “إنشاء مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة كان استجابة لضرورة حتمية، دون إغفال الدور الذي يضطلع به معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات بالرباط”، مبرزا الأهمية الكبرى لهذا المعهد بالنسبة لكافة الأمة الإسلامية بالنظر إلى أن المستفيدين من هذا التكوين يسهرون على الترويج لإسلام السلام والتنمية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.