العلاقات المغربية الإسبانية بعد ثلاث سنوات من التقارب: شراكة استراتيجية وتعاون غير مسبوق

0 2٬013

شهدت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا، انتقلت فيه من أزمة دبلوماسية حادة إلى شراكة استراتيجية متقدمة. فبعد ثلاث سنوات على رسالة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس، التي أعادت الدفء إلى العلاقات الثنائية، تؤكد الحكومة الإسبانية أن مستوى التعاون بين البلدين بات “غير مسبوق”.
جاء التحول الكبير في الموقف الإسباني تجاه المغرب في مارس 2022، عندما وصف سانشيز مبادرة الحكم الذاتي للصحراء، التي طرحها المغرب عام 2007، بأنها “الأكثر جدية ومصداقية”. هذا الموقف وضع إسبانيا في انسجام مع الرؤية المغربية، في سياق تزايد الدعم الدولي للمقترح المغربي، خصوصًا بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على المنطقة في 2020.
تُوج هذا التقارب بزيارة سانشيز إلى الرباط في أبريل 2022، حيث تم الاتفاق على خارطة طريق جديدة لتعزيز التعاون. وشهدت العلاقات مزيدًا من التطور خلال الاجتماع رفيع المستوى بين البلدين في فبراير 2023، الذي رسّخ أواصر التعاون في مختلف المجالات، لا سيما الأمنية والتجارية.
اقتصاديًا، أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، متجاوزة فرنسا وألمانيا وإيطاليا. ففي 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 22.7 مليار يورو، بارتفاع ملحوظ في الصادرات والواردات. كما أصبح المغرب وجهة رئيسية للصادرات الإسبانية داخل إفريقيا، حيث يستحوذ على 61% من إجمالي صادرات إسبانيا للقارة.
ورغم هذا التقدم، لا تزال بعض القضايا الاقتصادية عالقة، مثل تفعيل التبادل التجاري عبر المعابر الجمركية، حيث لم تتجاوز العمليات التجارية الحدودية مستوى شاحنة واحدة يوميًا، في انتظار توسيع النطاق الزمني لهذه العمليات.
رغم التقدم في مجالات متعددة، لا تزال هناك ملفات دبلوماسية تحتاج إلى مزيد من العمل، مثل ترسيم الحدود البحرية في المحيط الأطلسي وإدارة المجال الجوي للصحراء، وهي قضايا تحظى بحساسية في مدريد. ومع ذلك، فإن التعاون الأمني بين البلدين يُعد من أبرز نقاط القوة في العلاقة الثنائية، حيث يُوصف بأنه “نموذجي في أوروبا” في مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.
في ظل هذه الديناميكية الإيجابية، يترقب الطرفان عقد اجتماع رفيع المستوى جديد في إسبانيا لمواصلة تعزيز التعاون وإعادة النظر في معاهدة حسن الجوار. ورغم عدم تحديد موعد رسمي بعد، تؤكد المصادر أن التواصل بين البلدين يجري بسلاسة، مع حرص الجانبين على تطوير العلاقة وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

ختامًا، يمكن القول إن العلاقات المغربية الإسبانية دخلت مرحلة جديدة قائمة على المصالح المشتركة والتعاون الوثيق، ما يجعلها نموذجًا ناجحًا للدبلوماسية الإقليمية في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.