على الرغم من أن الحركة المسرحية في السعودية لم تكن بذلك الزخم الذي يعرفه أبو الفنون في بلدان عربية أخرى، إلا أن هذا الفن بدأ منذ فترة يعرف انتعاشة وحضورا أقوى في الساحة الفنية لهذا البلد الذي يدشن اليوم مرحلة انفتاح متزايد على الفنون والثقافة والترفيه.
نشأ الفعل المسرحي في السعودية حديثا بعد تواري بوادر مسرح بدأ في منتصف القرن الماضي، قبل أن ينبعث من مخاض ثقافي وفني يرنو إلى نفض الغبار عن ذاكرة ثقافية عربية ارتبطت في وجدان العرب بواحد من أشهر منابر الخطابة والشعر والإلقاء في شبه جزيرة العرب، سوق عكاظ.
يقول أحد رواد العمل المسرحي في السعودية عبد الرحمن الخريجي في كتابه “نشأة المسرح السعودي”، الصادر عام 1986، إنه مما “لا شك في أن المتتبع للمسارات الأدبية في الوطن العربي الكبير سيجد المملكة العربية السعودية تأتي في مؤخرة معظم الدول العربية فيما يخص المسرح بأنواعه الثلاثة التعليمي والخاص والعام”، متسائلا عن السر وراء تخلف مسيرة الحركة المسرحية السعودية مقارنة بغيرها من مجالات الحياة العامة؟
ويبسط الخريجي في بحثه احتمالات عدة منها ما “يعتقد البعض أنها ضياع مسؤولية المسرح، أو عدم اكتمال البنية المسرحية في المملكة، أو ما يمكن اعتباره عدم وجود التربة الخصبة لازهار العمل العمل المسرحي”.
ويجمع النقاد والمسؤولون، على السواء، اليوم على أهمية الانفتاح على الفن والثقافة في ظل التقهقر الجارف للابداع أمام طفرة التكنولوجيا وما تطرحه من مخاطر الاستيلاب واغتيال الذوق والإحساس الجمالي، ويؤكدون على تشجيع الإبداع الفني الخلاق وفي مقدمته أبو الفنون.
وليس بخاف أن الحركة المسرحية في السعودية أصبحت في الآونة الأخيرة تتصدر المشهد الفني السعودي مع اهتمام لافت من قبل الفنانين والمسؤولين، ومعه إقبال كثيف للجمهور على الأعمال المسرحية التي بدأت تأخذ نصيبها الوافر في فضاءات الإبداع، التعليمية والجامعية، وصولا إلى المسارح ودور العرض التي لا تكاد منطقة أو مدينة تخلو منها اليوم.
وحري بالذكر أن الجهات المختصة بالشأن الثقافي في السعودية، شرعت منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي في ابتعاث عدد من الفنانين في مجالات التمثيل والإخراج والتأليف والديكور والدراماتولوجيا إلى معاهد رائدة في العمل المسرحي في بلدان عربية (مصر ولبنان تحديدا)، وأجنبية (بريطانيا) من أجل احتراف فن الركح، فضلا عن التعاقد مع معاهد أجنبية لتأطير الطاقات الموهوبة في المملكة في شكل دورات تدريبية في هذا المجال.
وبدورها، أدرجت الجامعات السعودية منذ فترة العمل المسرحي ضمن برامجها الثقافية، إذ احتضنت جامعة الملك سعود بالرياض في فبراير 2014، فعاليات المهرجان المسرحي الجامعي الثالث لدول مجلس التعاون الخليجي بمشاركة أزيد من 18 جامعة خليجية، كما أقامت جامعة الملك خالد للشؤون التعليمية والأكاديمية (أبها) في أبريل 2015، المهرجان المسرحي بمشاركة سبع كليات سعودية.
كما تخطت العروض المسرحية حدود المملكة لتبصم على حضور ما فتيء يتعزز في الفعاليات المسرحية في العالم العربي، ومنها المهرجان العربي للمسرح في الإسكندرية، ومهرجان الكويت الدولي للمونو دراما، ومهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، ومهرجان المسرح العربي بالجزائر، ومهرجان “عشيات طقوس المسرح الدولي” بالأردن وغيرها.
وفي عام 2016، حصدت الأعمال المسرحية السعودية 47 جائزة في أكثر من محفل دولي وعربي قدم فيه أزيد من 283 عرضا مسرحيا، وهو ما وصفته الهيئة العربية للمسرح التي يرأسها حاكم الشارقة بالإمارات الشيخ سلطان القاسمي، ب”عام المسرح السعودي”، الذي يعيش “نهضة كبيرة”.
بيد أن السؤال الذي انشغل به المسرحيون والنقاد والإعلام في المملكة طويلا يتمثل في غياب العنصر النسوي على الركح، وعن آفاق الشكل التعبيري على الخشبة في ظل ذلك الغياب، “ما قد يفاقم”، برأي النقاد، “من أزمة أبي الفنون في بيئة محافظة وفي ظل إهمال من فئة الشباب أمام الطفرة التكنولوجية الجارفة”.
وفي هذا الصدد، يمكن “الحديث عن اختراق لافت في تاريخ المسرح السعودي”، بعد عرض مسرحية “حياة الإمبراطور” لفرقة الستائر الحمراء، في تاسع فبراير الماضي على مسرح جامعة دار العلوم بالرياض بمشاركة ممثلين من الجنسين وأمام جمهور مختلط.
ففي حدث غير مسبوق، اعتلت الممثلة السعودية نجاة مفتاح (21 عاما) خشبة المسرح وحازت استحسان ورضا زملائها والجمهور على حد سواء، لتفتح بذلك إحدى أنصع صفحات التحدي إشراقا في معركة كسر الصورة الذهنية السلبية عن المرأة وقدرتها الإبداعية الخلاقة في المجتمع.
ويبقى الطموح المسرحي في السعودية كبيرا في ظل النفس المتجدد في قطاعات ثقافية وفنية في البلاد، كأحد أهم محركات التنمية البشرية، التي تضمنتها أهداف الرؤية التطويرية لهذا البلد (2030)، من خلال تطوير الثقافة وتأسيس مراكز حاضنة للإبداع، وتوفير منصات للمبدعين للتعبير عن أفكارهم وطموحاتهم، فضلا عن تحويل الثقافة إلى عنصر رئيسي للتواصل ورافد مهم للاقتصاد.