في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها فئات واسعة من المجتمع، يطفو على السطح مجدداً الجدل حول العلاقة بين العمل الخيري والسياسة، خاصة عندما تتحول المبادرات الإنسانية إلى أدوات لخدمة أجندات انتخابية. فقد وجه حزب التقدم والاشتراكية انتقادات حادة لبعض مكونات الأغلبية الحكومية، متهماً إياها باستغلال معاناة المواطنين لشراء الولاءات السياسية تحت غطاء العمل الخيري.
يُعد العمل الخيري ركيزة أساسية في المجتمعات، حيث يهدف إلى التخفيف من معاناة الفئات الهشة دون تمييز أو أهداف خفية. غير أن استغلال هذه المبادرات لأغراض انتخابية يثير تساؤلات جوهرية حول مدى احترام القيم الديمقراطية، خاصة عندما تستخدم إمكانيات عمومية ضخمة لتوزيع المساعدات المالية والعينية بشكل انتقائي يخدم مصالح سياسية ضيقة.
وقد أثارت صور انتشرت مؤخراً لشاحنات تحمل مساعدات غذائية، يشتبه في استخدامها ضمن حملات انتخابية مبكرة، موجة من الانتقادات الواسعة. فبينما يعاني المواطنون من غلاء الأسعار وارتفاع معدلات البطالة، يجد البعض في هذه الأوضاع فرصة للترويج السياسي عبر “الإحسان الانتخابي”، ما يطرح إشكالية خطيرة تتعلق بمدى نزاهة العملية السياسية في البلاد.
من الواضح أن بعض الأحزاب بدأت تحركاتها الانتخابية مبكراً، مستغلة حاجات الفئات الفقيرة لتعزيز نفوذها السياسي قبل الاستحقاقات المقبلة. وهو ما دفع حزب التقدم والاشتراكية إلى التحذير من أن هذه الممارسات لا تساهم في تعزيز الثقة في المؤسسات، بل على العكس، تكرس ثقافة الزبونية وتجعل المواطن ينظر إلى الفعل السياسي من زاوية المصالح الشخصية لا البرامج التنموية.
وفي هذا السياق، اعتبر الحزب أن هذه الظاهرة لا تمثل فقط خرقاً للقوانين المنظمة للإحسان العمومي، بل تشكل خطراً على القيم الديمقراطية والأخلاقية للمجتمع، حيث يتم تقويض مبدأ المنافسة الشريفة التي يجب أن تستند إلى البرامج والرؤى السياسية، لا إلى توزيع المساعدات الموسمية.
أمام هذه الممارسات، بات من الضروري أن تتحمل السلطات المختصة مسؤولياتها لضمان عدم تحول العمل الخيري إلى أداة انتخابية، وذلك عبر فرض رقابة صارمة على مصادر التمويل وآليات توزيع المساعدات، وضمان استقلالية العمل الإحساني عن أي استغلال سياسي.
كما يجب على الأحزاب السياسية أن تعيد النظر في أساليب تفاعلها مع المواطنين، والانتقال من منطق “شراء الولاءات” إلى منطق بناء الثقة من خلال برامج تنموية حقيقية. فالديمقراطية الحقة لا تُبنى على استغلال الفقر، بل على تقديم حلول مستدامة تضمن للمواطنين العيش الكريم بعيداً عن أي ابتزاز انتخابي.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام أزمة أخلاقية في العمل السياسي، أم أن هذه الممارسات مجرد استمرارية لنهج انتخابي اعتاد عليه المشهد الحزبي؟