بقلم: الأستاذ البوزيدي عبد العالي
رئيس المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والبيئة
في ظلال هذا الزمن المضطرب، حيث تتقاذفنا أمواج التحديات وتتصارع فيها قوى الخير والشر، تظل الأمانة في المسؤولية منارة لا ينطفئ نورها، وجوهر العدل الذي ترتكز عليه دعائم أي مجتمع يسعى إلى النهوض والارتقاء. إن الأمانة ليست مجرد كلمة تقال أو قيمة تُذكر، بل هي روحٌ تسكن القلب، وعهدٌ يقطعه المرء على نفسه بأن يكون صادقًا مع ذاته وأمته في حمل الأمانة التي كُلف بها.
لقد قالوا قديماً: “الأمانة رأس مال المسؤول”، وهي حقيقة لا مراء فيها. المسؤولية، بكل ثقلها وعمقها، تحمل في طياتها شرف الوفاء والصدق، وفيها اختبار حقيقي لنبل النفوس وعلو الهمم. فكيف يكون العدل متحققاً حين يغيب ضمير الأمانة؟ وكيف تكون النهضة ممكنة دون أن يحمل كل مسؤول راية الحقيقة والنزاهة، بعيدًا عن أي محاباة أو استغلال؟
فالمال العام، ذاك الثروة التي أودعها الشعب في كنف الدولة، ليس ملكًا خاصًا، بل هو أمانة عظيمة موضوعة في أعناق من اختاروا أن يكونوا خدامًا لهذه الأمة، لا متسلطين عليها. هو دم الوطن الذي يسري في عروق الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وشريان التنمية والرخاء. فكل درهم يُهدَر، وكل مشروع يُهدر، هو جرح نازف في قلب الأمة، وكسر لقمة عيش أبنائها، وتدمير لمستقبل الأجيال القادمة.
إننا أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية، تحتم على كل من تقلد منصباً عاماً أن يتحلى بأسمى معاني الأمانة، وأن يراقب ضميره في كل قرار، وأن يضع نصب عينيه خدمة الوطن والشعب، لا مكاسب شخصية أو مصالح ضيقة. وإن غابت هذه القيم، تتحول المؤسسات إلى أوكار فساد، ويصبح المال العام فريسة سهلة بيد العابثين والمفسدين.
وما أجدرنا أن نتذكر أن النهضة الحقيقية لا تأتي إلا عبر أيدٍ أمينة، وقلوبٍ صادقة، وأرواحٍ تحترم القانون وتحفظ الحقوق. العدل لا يكتمل إلا عندما تتحد الأمانة مع المسؤولية، ويصبح كل مسؤول قدوة في سلوكياته، مثالاً في نزاهته، وملاذاً للثقة التي وهبها إياه شعبه.
وفي النهاية، لا بد أن نؤمن جميعًا أن حمل أمانة المال العام والشأن الوطني، ليس مجرد واجب فحسب، بل رسالة سامية، وهيبة تستوجب منا الإخلاص والتفاني والجدية في الأداء. فلنكن أوفياء لهذا العهد العظيم، ولنحمي أموال أمتنا كما نحمي كرامتنا، ونعمل بكل ما أوتينا من قوة لنصنع وطنًا يليق بأبنائه، وطنًا يعانق فيه العدل فضاءات السماء، وتزدهر فيه قيم الأمانة والصدق.