الضاوية امرأة نشيطة لا تعرف الكلل ولا الملل. تمضي أسبوعها في عمل دؤوب، تغزل الصوف بأصابعها الخشنة، وتشكل كل خيط بعناية وصبر لا يلين. لم تكن مهمتها يسيرة، لكنها كانت تؤديها بفخر وإخلاص. وكان بيتها الطيني الصغير يضج بإيقاع مغزلها، بينما يلهو أطفالها بجوارها.
كل خميس، ترتدي جلبابها الفضفاض، وتضع نقابها الأسود، وتجمع صوفها في كيس قماشي، ثم تنطلق عبر الطريق الترابي نحو السوق في الحي العتيق من المدينة. كان الإعياء بادياً على ملامحها، غير أن الإصرار لا يفارقها. تمشي بخطى ثابتة، مدفوعة بيقينها أن المال، مهما قلّ، يُحدث فرقًا.
في السوق، كان الباعة ينادون بأصواتهم، يتبارون في إعلان الأسعار. وكان الهواء معبقًا بروائح التوابل والأعشاب المجففة، وعبق اللحم المشوي الذي تفوح منه رائحة البهارات. توجهت الضاوية إلى زاويتها المعتادة، فرشت صوفها، وجلست تنتظر. لم يطل انتظارها. أقبل تاجر معروف، فحص رُزَم الصوف، وبعد مساومة قصيرة، ناولها ستة دراهم: ورقة نقدية من فئة خمسة دراهم، وقطعة نقدية واحدة.
ابتسمت، وأودعت المبلغ في محفظتها الجلدية الصغيرة، وبدأت رحلة العودة نحو بيتها. لقد كان يوماً جيداً. المبلغ يكفي لشراء الدقيق، والزيت، وشيء من السكر. وكان أصغر أبنائها مريضاً في الأسبوع المنصرم، وأملت أن تشتري له بعض الفاكهة الطازجة أيضًا.
وعند مرورها بساحة جامع الفنا، استوقفتها أصوات الطبول والمزامير. وبفعل العادة، اقتربت من مصدر الصوت. لم تكن من عادتها التوقف، لكن ثمة شيء غريب جذبها هذه المرة.
كان جمع من الناس ملتفًا حول شاب غريب الهيئة. شعره منكوش، لحيته كثة، ونظراته نافذة حادة. كان يحمل سلة دهنية صغيرة بين يديه، وينادي بصوت جهير سريع:
“المال رجس! إنه أصل الحسد والطمع والأسى! تظنون أنه يطعمكم، ايها الناس انه يسمم أرواحكم!”
وقفت الضاوية مشدوهة. كلماته غريبة، وصوته أغرب. وكان الناس، بين الحين والآخر، يقدمون له نقودًا. فيأخذها، يقبّلها أو يتظاهر بمضغها، ثم يعيدها إليهم، ويدفعهم بلطف خارج الحلقة.
بدافع فضول غامض، أخرجت الضاوية محفظتها. سحبت قطعة الدرهم الواحد وقدّمتها له. تناولها، باركها بسرعة، وأعادها إليها. تبسمت بخفة، كان في الموقف شيء غامض، شيء جعلها تشعر بالخفة للحظة.
غادرت الساحة وأكملت طريقها إلى منزلها، تدندن بلحن قديم:
“سالبة… سالبة… أوَ سالباني يا بنت أمي، خاطري هانيا…”
دخلت بيتها، وما إن جلست على الحصير وفتحت محفظتها، حتى سقط قلبها في قاعها.
ورقة الخمسة دراهم قد اختفت.
قلّبت المحفظة رأساً على عقب. لا شيء. فقط قطعة الدرهم الواحد التي أعادها لها الرجل.
ارتجفت يداها. همست: “لا… هذا غير ممكن.”
فتشت جيوب جلابتها، نظرت تحت الحصير، قلبت كيسها. لا شيء. كأن الورقة لم توجد قط.
جلست في صمت مرتبك. تساءلت في حيرة: كيف؟ ومتى؟ وأين؟…
في تلك الليلة، لم يغمض لها جفن. تقلبت على فراشها، وعقلها يعيد شريط ما جرى في الساحة مرارًا وتكرارًا. تُرى، هل سرقها؟ أم أنها أسقطت الورقة دون أن تدري؟ أم أن الأمر برمّته كان نوعاً من السحر؟
ومنذ ذلك الحين، لم تعد إلى الساحة. كان في قلبها نداء غامض يخبرها ألا تعود. كأنما كانت في حلم أو في امتحان. الرجل، الساحة، القطعة النقدية… التبست الأمور في ذهنها، وضاعت الحدود بين الحقيقة والخيال.
وفي صباح اليوم التالي، عادت إلى غزلها. بدا لها الصوف أخشن بين أصابعها، وأثقل، لكنها استمرت في عملها بصمت وإصرار.
وعند غروب الشمس، جلست بين أطفالها، تغوص في بحر من الأفكار. لقد تعبت كثيرًا من أجل ذلك المال، وفقدانه كان مؤلمًا بلا شك. لكن أكثر ما حيّرها لم يكن ضياع الورقة، بل الأثر الذي تركه الحادث في قلبها. رجل يصف المال بالرجس، ومع ذلك يأخذه. أعطته نقودًا دون أن تقصد، فاختفى شيء في المقابل. ربما كانت خدعة. وربما كان هناك ما هو أعظم من أن تدركه العين. ولن تعرف أبدًا.
لكنها حين وضعت رأسها على الوسادة تلك الليلة، هدأت أفكارها. بقي الغموض، لكنها لم تشعر بالغضب أو الحسرة. أحست كأن العالم قد كشف لها سرًا… لا لكي تفهمه، بل لتحتفظ به.
أغمضت عينيها، واحتضنت محفظتها الفارغة، وهمست:
“بعض الأمور لا تُفسَّر، يكفي أنها تسكن في الذاكرة.”