“ألا خصتصة التدخل” من يراجع رسائل الرئيس ؟

0 10٬141

يشكل التواصل إحدى الدعائم الأساسية في الممارسة المؤسساتية إذ لا يمكن تصور تدبير عمومي ناجح دون لغة واضحة قادرة على نقل المعنى وتوجيه الفعل وتدبير العلاقة بين الإدارة والمواطن غير أن الواقع يبين أن بعض المسؤولين المنتخبين لا يملكون الحد الأدنى من المهارات التعبيرية التي تليق بمقام المسؤولية وهو ما ينعكس بشكل مباشر على صورة الجماعة وجودة التفاعل داخلها ويزداد الأمر حدة حين تصدر عن هؤلاء رسائل لا تحترم أبسط قواعد اللغة ولا أبجديات الخطاب الإداري مما يطرح أسئلة جوهرية حول معايير الكفاءة في تقلد المسؤوليات الترابية وحول مكانة اللغة داخل منظومة الحكامة المحلية ، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى تجويد التدبير المحلي وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة تبرز مظاهر مقلقة تعكس ضعفا بنيويا في التواصل الإداري لدى بعض المسؤولين المحليين خصوصا مثل هذه الرسالة المنسوبة إلى رئيس جماعة تسلطانت والتي وجهها عبر مجموعة واتساب إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات حيث ورد فيها تعبير مشوش على الشكل التالي ” المرجو من الشريكة متعددة ألا خصتصة التدخل “ مرفوقة بصورة… وبصيغة لا تستقيم لغويا ولا دلاليا وتعكس مستوى خطير من الخلل في الكفاءة التعبيرية لدى من يتحمل مسؤولية تدبير مؤسسة عمومية .

هذا النوع من الرسائل وإن صدر في وسيلة تواصل غير رسمية فإنه لا يخلو من دلالة رمزية قوية إذ إن رئيس الجماعة لا يتحدث بصفته الفردية وإنما بصفته الإعتبارية وهو في كل تعبير يصدر عنه يعكس صورة المؤسسة التي يمثلها ويؤثر بشكل مباشر في مستوى الثقة العامة في الجماعة فاللغة أداة جوهرية في تقييم المسؤول وفعالية أدائه لأن القدرة على التعبير الواضح والسليم ليس ترف بل شرط أساسي في أي تدبير ناجح للشأن المحلي .

إن ما يزيد من وقع هذا الخلل هو أن المسؤول المعني ينتمي إلى حزب كفاءات مما يجعل هذا النوع من الرسائل المكسرة يطرح تساؤلات عميقة حول آليات الترشح والتزكية والمعايير المعتمدة في إختيار من يتصدرون المشهد الجماعي ويقودون السياسات المحلية … لأن ضعف اللغة في مثل هذه الرسائل لا ينعزل عن ضعف محتمل في الفهم وإتخاذ القرار ومتابعة الملفات التقنية والإدارية التي تتطلب دقة وتواصل مؤسسي محترم .

إن الرسالة المشار إليها ليست حالة معزولة بل تعكس أزمة ثقافة مؤسساتية لا تزال حاضرة في بعض الجماعات حيث تختزل المسؤولية في البعد التمثيلي دون أن تواكبها مؤهلات معرفية ولغوية تؤهل الفاعل الجماعي ليقوم بدوره بكفاءة وإحترام للجماعة و للمواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيه ولا شك أن هذا الواقع يفرض مراجعة جدية لمنظومة تأهيل المنتخبين سواء من خلال التكوين المستمر أو وضع معايير أكثر صرامة في تولي المناصب داخل المجالس .

أمام هذا المشهد يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لمكانة اللغة في الإدارة لأن التواصل الإداري ليس مجرد تمرير معلومات بل هو بناء لثقة وإنتاج للشرعية وتعزيز لصورة المؤسسة وإذا كان الفعل الإداري يمر عبر القوانين والقرارات فإن لغته هي التي تضفي عليه المعنى والوضوح والمشروعية وأي إرتباك أو ركاكة في هذا الباب يفتح الباب أمام التأويل وسوء الفهم بل وفقدان الاحترام الرمزي للرئيس و للجماعة .

إن الحالة التي بين أيدينا تطرح إشكال مركزي يرتبط بالسؤال الجوهري حول طبيعة العلاقة بين التمثيلية الديمقراطية والكفاءة المؤسساتية هل يكفي أن ينتخب الشخص ليكون في موقع القرار أم أن المرفق العمومي يتطلب تأهيلا موازيا يضمن ألا تتحول المؤسسات إلى فضاءات للارتجال والعشوائية باسم الشرعية الانتخابية وحدها … ومن واجب المسؤول أن يرتقي بخطابه ليعكس وعيا بمقامه وثقة من وضعوه في موقع القرار .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.