أزمة كراء المساكن في مراكش… حين تصبح الثقة المفقودة أخطر من غلاء الأسعار

0 436

 

بقلم “ابو امين” “بيان مراكش”

لم تعد أزمة الكراء بمدينة مراكش مجرد ارتفاع في الأسعار أو اختلال عابر بين العرض والطلب، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية واقتصادية حقيقية تمس آلاف الأسر والطلبة والموظفين والشباب المقبلين على الزواج، بل وحتى المستثمرين والوافدين على المدينة. وأصبح العثور على منزل للكراء أشبه بالبحث عن “عملة نادرة”، في الوقت الذي لا تزال فيه أعداد كبيرة من المساكن مغلقة، لا يسكنها أحد ولا تعرض للكراء.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا أصبحت مراكش، وهي مدينة تعرف توسعاً عمرانياً مستمراً، تعاني من خصاص حاد في المساكن المعدة للكراء؟

قد يرد البعض الأمر إلى تداعيات زلزال الحوز، الذي دفع عدداً من الأسر إلى الانتقال نحو المدينة، وقد يعزوه آخرون إلى الطابع السياحي لمراكش وما ترتب عنه من توسع الكراء السياحي قصير المدة، أو إلى تزايد الهجرة الداخلية نحو المدينة بحثاً عن العمل والدراسة.

غير أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تبدو وحدها كافية لتفسير وجود آلاف المساكن المغلقة في وقت يزداد فيه الطلب على الكراء يوماً بعد يوم.

إن الواقع يكشف عن عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أزمة ثقة حقيقية بين المكري والمكتري، وهي أزمة أصبحت تؤثر بشكل مباشر في سوق الكراء.

فكثير من الملاك، خصوصاً من يملكون منزلاً أو شقة واحدة يعتمدون على مداخيلها لتحسين أوضاعهم المعيشية، يفضلون اليوم ترك عقاراتهم فارغة بدل المغامرة بكرائها، بعد أن سمعوا أو عاشوا تجارب مريرة مع بعض المكترين عديمي النية الذين يستغلون بطء المساطر القضائية وتعقيدها.

ولا يجوز، بطبيعة الحال، تعميم هذه الممارسات على جميع المكترين، فالغالبية العظمى منهم مواطنون يحترمون التزاماتهم ويؤدون واجبات الكراء بانتظام. غير أن قلة قليلة استطاعت، من خلال سوء الاستعمال، أن تزرع الخوف في نفوس الملاك، وأن تسيء إلى صورة العلاقة الكرائية برمتها.

فمن الوقائع التي تتكرر في الواقع العملي أن بعض الأشخاص يؤدون واجب الكراء خلال الشهر الأول أو الشهرين الأولين، ثم ينقطعون عن الأداء بشكل نهائي، مع استمرارهم في شغل العقار، مستفيدين من طول وتعقيد مساطر الإفراغ. ويجد المالك نفسه مضطراً إلى طرق أبواب المحاكم، وتحمل مصاريف المحامي، والمفوض القضائي، ورسوم التبليغ والتنفيذ، فضلاً عن الانتظار الذي قد يطول قبل استرجاع حقه.

بل إن بعض الملاك، وبعد أشهر أو سنوات من التقاضي، يجدون أنفسهم أمام واقع مؤلم؛ إذ يضطرون، تحت ضغط الحاجة أو رغبة في إنهاء النزاع، إلى دفع مبالغ مالية للمحتل غير المشروع للعقار حتى يقبل بإخلائه، فيتحول صاحب الحق إلى من يدفع المال لاسترجاع ملكه، في مفارقة قانونية واجتماعية تستحق الوقوف عندها.

ولا تقف آثار هذه المنازعات عند حدود القضاء المدني، بل قد تتطور أحياناً إلى نزاعات جنحية بسبب الاحتكاك المباشر بين الطرفين، فتتبادل الشكايات المتعلقة بالسب أو التهديد أو الضرب والجرح أو غيرها، ويبقى القضاء وحده المختص في التحقق من الوقائع والفصل فيها وفق القانون. وهكذا يتحول نزاع بسيط حول واجبات الكراء إلى سلسلة من الملفات التي تستنزف الوقت والمال والأعصاب.

ومن الناحية القانونية، فإن العلاقة الكرائية بالمغرب تؤطرها مقتضيات القانون رقم 67.12 المنظم للعلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، كما تخضع للمبادئ العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود، وعلى رأسها مبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين ووجوب تنفيذ الالتزامات بحسن نية.

غير أن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، لا تحقق أهدافها إذا لم تقترن بمساطر بسيطة، سريعة وفعالة. فالعدالة المتأخرة، وإن انتهت إلى إنصاف صاحب الحق، قد تفقد جزءاً كبيراً من جدواها العملية.

ومن هنا يبرز سؤال إصلاحي يستحق النقاش: لماذا لا تعتمد الدولة مرحلة إلزامية للوساطة قبل ولوج المحاكم في منازعات الكراء؟

إن التفكير في إحداث آلية للوساطة المحلية، تحت إشراف السلطة المختصة قانوناً، وبمشاركة ممثلين عن الإدارة الترابية، كقائد الملحقة الإدارية أو الباشا، إلى جانب أطر قانونية أو لجان صلح، قد يساهم في حل نسبة مهمة من النزاعات في بدايتها، ويوفر على المواطنين والمحاكم كثيراً من الوقت والمصاريف. ولا يعني ذلك منح السلطة الإدارية اختصاصاً قضائياً، وإنما جعلها فضاءً للوساطة والتوفيق، مع بقاء القضاء صاحب الاختصاص الأصيل كلما تعذر الصلح.

ولعل التجربة أثبتت أن كثيراً من النزاعات المدنية لا تحتاج إلى أحكام قضائية بقدر ما تحتاج إلى تدخل سريع وحيادي يقرب وجهات النظر ويعيد الأمور إلى نصابها قبل أن تتفاقم.

وفي المقابل، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة مساطر الإفراغ بسبب عدم أداء واجبات الكراء، بما يحقق سرعة أكبر في البت والتنفيذ، مع الحفاظ الكامل على ضمانات الدفاع وحقوق المكتري حسن النية. فحماية حق الملكية، الذي يكفله الدستور، لا تتعارض مع حماية الحق في السكن، بل إن كليهما يقتضي وجود منظومة قانونية متوازنة لا تسمح بالتعسف من أي طرف.

وليس في ذلك أي مساس بحقوق المكتري، لأن المطلوب هو حماية الطرف الملتزم، سواء كان مكرياً أو مكترياً، ومواجهة من يخل بالتزاماته أياً كانت صفته.

ولعل من المفيد أن يستأنس المشرع المغربي ببعض التجارب المقارنة، وفي مقدمتها التجربتان الفرنسية والإسبانية، حيث توجد مساطر أكثر سرعة في حالات الامتناع غير المشروع عن أداء واجبات الكراء، إلى جانب ضمانات اجتماعية وقضائية تحمي المكتري حسن النية والفئات الهشة، بما يحقق توازناً بين حق الملكية والحق في السكن.

إن المغرب ليس مطالباً باستنساخ هذه النماذج، لكنه مدعو إلى الاستفادة من أفضل الممارسات التي أثبتت نجاعتها، بما يعزز الأمن القضائي، ويعيد الثقة إلى سوق الكراء، ويشجع أصحاب المساكن المغلقة على عرضها للإيجار من جديد.

إن أخطر ما يهدد سوق الكراء اليوم ليس فقط ارتفاع الأسعار، وإنما انهيار الثقة. وعندما يفقد المواطن ثقته في قدرة القانون على حمايته داخل آجال معقولة، فإنه يلجأ إلى إغلاق بابه بدل فتحه، فتتقلص المساكن المعروضة، وترتفع الأسعار، ويتضرر الجميع.

لقد آن الأوان لفتح ورش وطني حقيقي لإصلاح منظومة الكراء، يشارك فيه المشرع والقضاء والسلطة الحكومية المكلفة بالإسكان والمهنيون وممثلو المجتمع المدني، بهدف بناء علاقة متوازنة بين المكري والمكتري، قوامها العدالة الناجزة، والوساطة الفعالة، والضمانات القانونية المتبادلة.

فالسكن ليس مجرد أربعة جدران، بل هو أساس الاستقرار الأسري والاجتماعي، وسوق الكراء ليس مجرد معاملات مالية، بل هو مقياس لثقة المواطن في مؤسسات بلده. وإذا استعادت هذه الثقة، فإن آلاف المنازل المغلقة ستعود إلى السوق، وستنفرج أزمة أصبحت تؤرق مراكش، كما تؤرق عدداً من المدن المغربية الأخرى.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.