أرقام براقة… و سياسة إسكانية تحت المجهر: مراكش نموذج “فجوة الخطاب والواقع” .

0 10٬509

بقلم: رشيد زلاغ

مراكش اليوم ليست مجرد مدينة سياحية أو وجهة لجذب الاستثمارات، بل أصبحت مرآة تعكس الفجوة المتسعة بين الخطاب الرسمي حول السكن وسياسات المدينة، وبين الواقع الذي يعيشه المواطنون يوميًا. بينما تقدم وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان أرقامًا “مطمئنة” تحت قبة البرلمان، يظهر الواقع توسعًا مستمرًا لدور الصفيح، بطءً في معالجة الملفات، وتأخّرًا مزمنًا في تقديم حلول ملموسة.

في الخطاب الرسمي، يتحدث المسؤولون عن “إنجازات هامة” وسياسة إسكانية ناجحة، لكن على أرض الواقع، آلاف الأسر محاصرة بمساطر بيروقراطية معقدة، تعيش في مساكن غير لائقة، ومع ذلك تبقى خارج اهتمامات الأجهزة الحكومية. هذا التناقض بين الورق والشارع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل السياسة الإسكانية المعلنة تنعكس فعليًا على حياة المواطنين، أم أنها مجرد أرقام براقة لتجميل التقارير السنوية؟

برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي يفترض أن يكون مدخلاً لإصلاح أزمة السكن، يكرّس الإقصاء بدل أن يخففه. شروط الاستفادة، مثل اشتراط رخصة السكن بعد يناير 2023 وارتفاع أسعار الشقق في المدن الكبرى، تجعل غالبية الأسر خارج نطاق الدعم. أما البرامج الموازية وملفات إعادة الهيكلة، فهي غالبًا عالقة لأشهر وربما سنوات، بلا أي تنفيذ يلامس احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، ما يجعل السياسة الإسكانية على الورق فقط، بعيدة عن واقع المواطن اليومي.

مراكش، التي ترأس وزيرة الإسكان مجلسها الجماعي، تشهد توسعًا ملحوظًا لدور الصفيح، ما يعكس إخفاقًا مزدوجًا: ضعف التنفيذ وغياب الرؤية الواقعية. الأسر المحرومة من تجديد بطاقة التعريف الوطنية أو أي تسجيل رسمي تصبح خارج الإحصاءات الرسمية، ما يحرمها من أي استفادة، رغم كونها الأكثر هشاشة ومعاناة.

الملف الإنساني لضحايا زلزال الحوز مثال صارخ آخر على هذا الفشل: بعد عامين، ما زالت التعويضات وإعادة الإعمار متوقفة، والأسر تعيش تحت خيام مؤقتة، بينما الحكومة تظل محصورة في أرقام وتقارير لا تعكس الواقع اليومي للمعاناة.

الإشكال ليس في غياب الأرقام، بل في غياب الأثر. المواطن لا يبحث عن عدد المشاريع الكبرى أو السياحية، مهما رفعت من معدلات مبيعات مواد البناء، بل عن سكن يحفظ كرامته، كما نص عليه الفصل 31 من الدستور. الأرقام وحدها لا تبني بيوتًا، ولا تخفف من معاناة الأسر.

الوضع السكني في مراكش ومدن أخرى أصبح عاجلًا أكثر من أي وقت مضى. المطلوب قرارات تنفيذية جريئة تحول الخطاب إلى واقع ملموس، وتعيد المواطن إلى قلب السياسة الإسكانية باعتباره محور التنمية وغايتها. وعلى الحكومة أن تدرك حقيقة واحدة: المغرب ما قبل 31 أكتوبر 2025، ليس هو المغرب ما بعده.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.