“العرائـش”.. حين يصبح البحر ثروة لا تستثمر!
✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في مدينة أخرى، ربما كان البحر وحده كافيا لصناعة ٱقتصاد كامل.
أما في “العرائـش”، فالبحر ليس وحده.
هناك “المحيط الأطلسي”، ونهر “اللوكوس”، والميناء، وشريط ساحلي ممتد، وثروة سمكية، ومدينة تاريخية، وموقع أثري بحجم “ليكسوس”، وموروث عمراني وثقافي قادر، لو أحسن ٱستثماره، على تحويل المدينة إلى واحدة من أبرز الواجهات السياحية والإقتصادية بالمغرب.
ومع ذلك، يبقى السؤال المؤلم قائما:
– لماذا لا تزال العرائش تبحث عن المكانة التي تليق بكل هذه المؤهلات؟
ليست المشكلة أن “العرائـش” لا تملك البحر.
المشكلة أن البحر، بالنسبة إليها، لم يتحول بعد إلى مشروع تنموي متكامل.
فالمدينة التي كان ميناؤها في مراحل تاريخية سابقة جزءا من الحسابات التجارية والعسكرية للقوى المتنافسة على الساحل الأطلسي، كان يمكن أن تكون اليوم واحدة من أهم المدن المغربية في مجال الإقتصاد الأزرق.
لكن، بين ما تملكه “العرائـش” وما تستثمره فعليا، تبدو المسافة كبيرة.
✓ الواجهة البحرية ليست مجرد منظر جميل يصلح للصور.. إنها ثروة.
✓ والميناء ليس مجرد مكان ترسو فيه القوارب.. إنه ٱقتصاد.
✓ والصيد البحري ليس مجرد مهنة تقليدية.. إنه سلسلة ٱقتصادية كاملة يمكن أن تبدأ من البحر وتنتهي في معامل التصبير والتثمين والتسويق والتصدير، مرورا بالخدمات والنقل والتخزين والتكوين والتشغيل.
وهنا تحديدا يجب أن نتوقف، لأن السؤال ليس:
– هل توجد الثروة؟
الثروة موجودة، السؤال هو:
– من يستفيد منها؟
– وكيف يمكن أن يستفيد منها أبناء المدينة بشكل أكبر؟
إن مدينة مثل “العرائـش”، بموقعها الأطلسي وقربها من “اللوكوس”، قادرة على بناء ٱقتصاد محلي لا يعتمد فقط على الوظائف التقليدية، بل يستند إلى قطاعات متعددة: «الصيد، الصناعات الغذائية، السياحة البحرية، الرياضات المائية، الخدمات، الٱستثمار في الموروث الثقافي، والإقتصاد الأزرق»، لكن ذلك يحتاج إلى رؤية.
والمدن لا تنهض بالأمنيات.
تنهض بالمشاريع، وبالتخطيط، وبالٱستثمار، وبالمحاسبة على النتائج.
لقد آن الأوان أن نتعامل مع البحر بٱعتباره رأسمالا ٱستراتيجيا وليس مجرد واجهة.
– فلماذا لا تصبح “العرائـش” وجهة معروفة للرياضات البحرية؟
– ولماذا لا يتم تطوير مرافق قادرة على ٱستقطاب هواة الإبحار والصيد الرياضي والأنشطة البحرية؟
– لماذا لا يتحول “الكورنيش” إلى فضاء ٱقتصادي وسياحي حقيقي، يحتضن مشاريع تحترم خصوصية المدينة وتخلق فرصا للشباب؟
– لماذا لا تصبح “المنتجات البحرية” المحلية علامة تجارية مرتبطة بٱسم “العرائـش”؟
– ولماذا لا يتم بناء “مسار سياحي” يربط بين البحر و”اللوكوس” والمدينة القديمة و”ليكسوس”؟
هذه ليست أحلاما مستحيلة، فمدن كثيرة حول العالم بنت جزءا كبيرا من ٱقتصادها على البحر، لكن الفرق أن بعضها نظر إلى البحر بٱعتباره فرصة، بينما ٱكتفينا في كثير من الأحيان بالنظر إليه بٱعتباره منظرا جميلا.. وهنا تكمن المشكلة!
“العرائـش” لا تحتاج إلى تحويل شواطئها إلى إسمنت.
ولا تحتاج إلى مشاريع تقتل روح المدينة.
هي تحتاج إلى تنمية ذكية تحترم البيئة، وتحافظ على هوية المكان، وتخلق قيمة ٱقتصادية حقيقية.
فالسياحة التي نريدها ليست سياحة الإسمنت والفنادق العملاقة فقط.
نريد سياحة تجعل الزائر يمشي في المدينة القديمة، يكتشف تاريخها، يزور “ليكسوس”، يتذوق منتجاتها البحرية، يجلس أمام “اللوكوس”، يستمتع بشاطئها، ويغادر وهو يحمل صورة مختلفة عن “العرائـش”.
نريد أن يصبح ٱسم “العرائـش” مرتبطا بتجربة متكاملة، لا بمجرد محطة عابرة.
ثم هناك الميناء… وهنا لا بد من وقفة أخرى.
فـ”العرائـش” مدينة بحرية بطبيعتها، وميناؤها جزء من هويتها الإقتصادية والتاريخية، لكن أي ميناء لا يمكن أن يؤدي دوره كاملا إذا ظل منفصلا عن محيطه الإقتصادي.
المطلوب هو خلق منظومة متكاملة حول النشاط البحري:
«تثمين المنتجات، تطوير الخدمات، دعم الٱستثمار المحلي، تشجيع التعاونيات، تحسين ظروف المهنيين، وتكوين الشباب في المهن البحرية واللوجستية والغذائية».
– فلماذا لا يكون شباب “العرائـش” هم أول المستفيدين من هذه الثروة؟
– لماذا لا نرى مزيدا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تجعل من البحر مصدر دخل مستداما للأسر؟
– لماذا لا تتحول المنتجات البحرية المحلية إلى منتجات تحمل علامة «صنع في “العرائـش”» وتجد طريقها إلى الأسواق الوطنية والدولية؟
السؤال هنا ليس موجها إلى قطاع واحد، إنه سؤال إلى مختلف المتدخلين…
✓ إلى المنتخبين.
✓ إلى الإدارات.
✓ إلى المستثمرين.
✓ إلى المؤسسات المعنية بالصيد البحري والسياحة والثقافة.
✓ وإلى كل من يملك قرارا يمكن أن يصنع فرقا في مستقبل المدينة.
فـــ”العرائـش”:
✓ لا تريد صدقة.
✓ ولا تريد مشاريع موسمية.
✓ ولا تريد أن تتحول إلى مدينة سياحية خلال فصل الصيف ثم تعود إلى الصمت بقية السنة.
إنها تريد:
✓ ٱقتصادا يعمل طوال العام.
✓ ٱقتصادا يخلق فرصا للشباب.
✓ ٱقتصادا يحافظ على البحر ولا ينهبه.
✓ ٱقتصادا يستثمر في الإنسان قبل الحجر.
✓ والأهم من ذلك كله، ٱقتصادا يجعل أبناء “العرائـش” يشعرون بأن ثروات مدينتهم ليست مجرد مشاهد يلتقطها الزوار بهواتفهم، وإنما فرص حقيقية لتحسين حياتهم.
✓ إن البحر أمام “العرائـش” ليس لعنة.
✓ والنهر ليس مجرد منظر.
✓ والميناء ليس مجرد رصيف.
✓ و”ليكسوس” ليست مجرد أطلال.
هذه كلها قطع من ثروة واحدة.
وإذا ٱجتمعت ضمن رؤية تنموية واحدة، يمكن لـ”العرائـش” أن تستعيد الكثير من بريقها.
لكن إذا بقي كل قطاع يعمل منفردا، وبقيت المشاريع متفرقة، وظلت المدينة تنتظر من يكتشف قيمتها، فسنظل نكرر السؤال نفسه بعد سنوات:
– كيف لمدينة تملك كل هذا، ولا تزال تعاني كل هذا؟
لقد حان الوقت كي ننتقل من سؤال:
– ماذا تملك “العرائـش”؟
إلى سؤال أكثر أهمية:
– ماذا فعلنا بما تملكه “العرائـش”؟
فالمدينة التي منحها الله البحر والنهر والميناء والتاريخ والموقع، لا ينقصها شيء سوى أن تتحول هذه الهبات إلى سياسة تنموية حقيقية.
و”العرائـش” لا تحتاج إلى من يصفق لجمالها.
إنها تحتاج إلى من يستثمر في جمالها.
ولا تحتاج إلى من يروي تاريخها فقط.
إنها تحتاج إلى من يصنع لها تاريخا جديدا.
وفي الحلقة المقبلة، سيكون الموعد مع وجه آخر من وجوه “العرائـــش”:
مدينة تختزن تاريخا ٱستثنائيا… لكن تراثها لا يزال ينتظر من ينقذه من النسيان.
يـتــــبـــــــع…