✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
هناك مدن مغربية تمر في التاريخ مرورا عابرا، وهناك مدن كان التاريخ نفسه يمر من بوابتها.
و”العرائـش” واحدة من هذه المدن التي لا يمكن ٱختزالها في شاطئ جميل، أو ميناء للصيد، أو مدينة هادئة على ضفاف الأطلسي… إنها مدينة تختزن في ترابها ذاكرة المغرب، وتحمل في محيطها آثار حضارات وتعاقب دول وصراعات دولية جعلت من موقعها الجغرافي ورقة ٱستراتيجية لا يستهان بها.
لكن المفارقة المؤلمة اليوم أن مدينة بهذا التاريخ، وبهذه المؤهلات، تبدو وكأنها ٱبتعدت كثيرا عن المكانة التي كان يفترض أن تحتلها!
– “العرائـش” لم تكن مدينة هامشية… فلماذا أصبح واقعها يوحي بذلك؟
قبل أن نتحدث عن “العرائـش” التي نراها اليوم، علينا أن نعود قليلا إلى الوراء.
فبالقرب منها تقع “ليكسوس”، المدينة التاريخية التي تأسست، بحسب المعطيات الأثرية الرسمية، خلال الثلث الأول من القرن الثامن قبل الميلاد، وتعاقبت عليها الحضارات الفينيقية والبونية والموريتانية والرومانية والإسلامية.
وقد عرفت ٱزدهارا ٱقتصاديا وعمرانيا كبيرا، خصوصا في عهد المملكة الموريتانية والعصر الروماني، وٱرتبط ٱزدهارها بصناعات تمليح الأسماك وغيرها من الأنشطة الإقتصادية.
أي أننا أمام منطقة لم تكن على هامش الحضارة، بل كانت جزءا من شبكة البحر المتوسط والتجارة القديمة.
ومن “ليكسوس” إلى “العرائـش”، ٱستمر الموقع في صناعة التاريخ.
وتشير مصادر سياحية مغربية إلى أن وثائق “برتغاليـة” من القرن الخامس عشر كانت تذكر “العرائـش” بٱعتبارها ميناء مغربيا رئيسيا، وهو ما يعكس الأهمية التي ٱكتسبتها المدينة وموقعها البحري عبر القرون.
ثم جاءت مرحلة أكثر درامية في تاريخ المدينة.
فـ”العرائـش” لم تكن مجرد ميناء يتنافس حوله التجار، بل كانت أيضا موقعا عسكريا ٱستراتيجيا، جعلها هدفا للقوى الأوروبية.
وفي سنة 1689، دخلت المدينة واحدة من أكثر صفحات تاريخها شهرة، عندما حاصرها السلطان م.إسماعيل، وٱنتهى الحصار بٱسترجاعها من “الإسبان” في معركة ٱرتبطت في الذاكرة المغربية بتاريخ المقاومة وٱستعادة المدن والموانئ.
وتورد المصادر التاريخية المغربية تفاصيل الحصار الذي ٱنتهى بٱستسلام الحامية الإسبانية في نونبر 1689.
هذه التفاصيل ليست مجرد ذكريات محفوظة في الكتب، إنها شهادة على أن “العرائـش” كانت، في زمن من الأزمنة، مدينة تستحق أن تتنافس القوى عليها.
مدينة كان ميناؤها وموقعها يستحقان الحسابات السياسية والعسكرية.
مدينة كانت جزءا من معادلات أكبر من حدودها الجغرافية.
واليوم… هنا تبدأ الحسرة!
ننظر إلى “العرائـش” فنجد البحر أمامها، ونهر “اللوكوس” يحتضنها، والميناء يشكل جزءا من هويتها، والمدينة القديمة تختزن ذاكرة عمرانية وثقافية، و”ليكسوس” تقف على مقربة منها شاهدة على آلاف السنين من التاريخ.
ثم نسأل:
– أين هي “العرائـش” التي تستحقها كل هذه المؤهلات؟
– كيف يمكن لمدينة تجمع بين التاريخ والبحر والميناء والنهر والمآثر والموقع الإستراتيجي أن لا تكون من أبرز الأقطاب السياحية والثقافية والإقتصادية في المغرب؟
– كيف يمكن أن يبقى ٱسم “ليكسوس”، بهذا الثقل التاريخي، أقل حضورا مما ينبغي في الخريطة السياحية الدولية؟
– وكيف يمكن أن تبقى “العرائـش”، بكل ما تملكه، مدينة ينتظر أبناؤها المزيد من التنمية والفرص، بينما كان الآخرون في الماضي ينظرون إليها بٱعتبارها موقعا يستحق السيطرة والصراع؟
المؤلم في “العرائـش” ليس أنها تفتقر إلى الإمكانات، بل إن مشكلتها، في جانب كبير منه، أنها تملك الإمكانات ولا تزال تبحث عن الٱستثمار الحقيقي فيها!
حتى اليوم، ما تزال الدولة نفسها تتحدث عن تثمين موقع “ليكسوس”، وتحسين بنياته الموجهة لٱستقبال الزوار، وتعزيز قيمته الثقافية والسياحية والأثرية.
وتؤكد “وزارة الثقافة” أن الموقع يمتد على مساحة تقارب 62 هكتارا ويضم آثارا لحضارات متعددة، وأن من أهداف مشاريع تثمينه المحافظة عليه وإبراز قيمته الثقافية والسياحية، وهذا في حد ذاته يؤكد أن الثروة موجودة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
– هل نملك الجرأة الكافية لتحويل هذه الثروة إلى مشروع تنموي متكامل؟
✓ “العرائـش” لا تحتاج إلى مهرجان عابر يملأ الشوارع أياما ثم ينتهي.
✓ ولا تحتاج إلى خطاب ٱحتفالي يستعيد أمجادها مرة في السنة.
✓ ولا تحتاج إلى أن يقال لأبنائها بٱستمرار (مدينتكم تاريخية وجميلة)، أبناء “العرائـش” يعرفون ذلك أكثر من الجميع.
ما يحتاجونه هو أن تتحول هذه الحقيقة إلى تنمية وفرص وشغل وٱستثمار وبنية تحتية وسياحة حقيقية.
تحتاج “العرائـش” إلى مشروع يجعل من مينائها رافعة ٱقتصادية، ومن شواطئها موردا سياحيا، ومن “اللوكوس” عنصرا جماليا وٱقتصاديا، ومن المدينة القديمة فضاء حيا، ومن “ليكسوس” وجهة ثقافية عالمية.
تحتاج إلى ربط التاريخ بالحاضر.
✓ فلا معنى لأن نفتخر بأن “العرائـش” كانت ذات يوم ذات وزن ٱستراتيجي، إذا لم نستطع اليوم أن نجعلها مدينة ذات وزن ٱقتصادي وسياحي وثقافي.
✓ ولا معنى لأن نقول إن “ليكسوس” تعاقبت عليها الحضارات، إذا ظل هذا الإرث بعيدا عن وعي ملايين السياح الذين يزورون المغرب كل عام.
✓ ولا معنى لأن نتغنى بتاريخ المدينة، بينما يظل مستقبل شبابها هو السؤال الأصعب.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمدينة ليس أن تفقد تاريخها، بل أن تمتلك تاريخا عظيما ولا تعرف كيف تصنع به مستقبلا عظيما.
و”العرائـش” اليوم تقف أمام هذا السؤال.
فإما أن تستعيد مكانتها، وإما أن تتحول تدريجيا إلى مدينة تعيش على ذكريات المجد.
ونحن لا نريد لـ”العرائـش” أن تصبح متحفا مفتوحا للماضي.
✓ نريدها مدينة حية.
✓ مدينة يستفيد أبناؤها من موقعها.
✓ مدينة يعرفها السائح قبل أن يصل إليها، لا بعد أن يغادرها.
✓ مدينة يصبح فيها التاريخ محركا للإقتصاد، والثقافة رافعة للتنمية، والبحر فرصة، والميناء قوة، و”ليكسوس” عنوانا عالميا للهوية المغربية.
ولذلك، فإن الحديث عن “العرائـش” ليس حديثا عن مدينة واحدة فقط.
إنه سؤال عن الطريقة التي نتعامل بها مع مدن مغربية كثيرة تحمل تاريخا عظيما، ومواقع ٱستراتيجية، وثروات طبيعية وثقافية، لكنها لم تحصل بعد على المكانة التي تستحقها.
“العرائـش” تستحق أكثر…
✓ تستحق أن تخرج من ظل النسيان.
✓ تستحق أن تسمع أصوات أبنائها.
✓ تستحق أن تفتح ملفاتها التنموية بجدية.
✓ وتستحق قبل كل شيء أن ينظر إليها لا بٱعتبارها مدينة من الماضي، بل بٱعتبارها مدينة يمكن أن تكون من مدن المستقبل.
لقد كانت “العرائـش” ذات يوم مدينة يتنافس الآخرون عليها.
– فهل يأتي اليوم الذي يتنافس فيه المستثمرون والسياح والطاقات الشابة على فرصها؟
ذلك هو التحدي الحقيقي.
وذلك هو السؤال الذي نضعه، بكل وضوح، أمام الجهات المسؤولة:
– هل ستبقى “العرائـش” أسيرة مجدها القديم، أم سنمنحها أخيرا الفرصة لتصنع مجدا جديدا؟
يـتــــبــــع. . .