الإدارة المغربية… حين يصبح المواطن غريبا داخل إدارته! [من صاحب حق إلى طالب رضا وواسطة]

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

لم يكن الحديث عن الهروب الجماعي نحو “سبتة” مجرد حديث عن شباب ضاقوا ذرعا بالفقر والبطالة، ولا عن أشخاص قرروا المخاطرة بحياتهم بحثا عن ضفة أخرى.
في المقال السابق، حاولنا الٱقتراب من زاوية أكثر إيلاما:
– ماذا لو لم يكن بعض الهاربين يهربون من الفقر فقط، وإنما من شعور أعمق… من الإهانة، ومن ٱنسداد الأفق، ومن الإحساس بأن الإنسان لا يجد دائما داخل وطنه ما يجعله يشعر بقيمته؟

وكان من أكثر ما هزني في تلك الواقعة أن مشهد الهروب لم يعد مقتصرا على الشباب، لقد رأينا نساء ورجالا وأطفالا صغارا وذوي ٱحتياجات خاصة، وكأن المشهد يقول لنا:
«إن القضية أوسع من مجرد مغامرة فردية».
ثم جاءني حديث صديق يبلغ الخامسة والستين من عمره، فقال لي بكل هدوء:
«لولا المرض، لهربت أنا أيضا».
لم يكن الرجل يبحث عن لقمة العيش، ولم يكن عاطلا ينتظر وظيفة، ولم يكن يشتكي من الفقر… كان يتحدث عن شيء آخر، عن “الكرامة”.
وهنا تبدأ الحكاية التي أريد أن أفتحها في هذا المقال.
قد لا يدرك البعض أن علاقة المواطن بالإدارة هي واحدة من أكثر العلاقات حساسية في بناء الثقة بين الإنسان والدولة.
فالمواطن العادي لا يلتقي الدولة كل يوم في البرلمان، ولا يجلس مع الوزراء، ولا يقرأ كل القوانين والمراسيم.. لكنه يلتقيها صباحا أمام شباك الإدارة، يلتقيها في المقاطعة والجماعة والمستشفى والمدرسة ومختلف المصالح العمومية.
وهناك، في تلك التفاصيل الصغيرة، تتشكل في ذهنه صورة الدولة.
إذا وجد الإحترام، قال: «الدولة تحترمني».
وإذا وجد التسهيل، قال: «الدولة تساعدني».
وإذا وجد الإنصاف، قال: «القانون فوق الجميع».
لكن،
– ماذا يحدث عندما يجد نفسه أمام أبواب مغلقة، ومساطر غير واضحة، وٱنتظار طويل، وموظفا يتعامل معه أحيانا وكأنه جاء ليطلب معروفا شخصيا؟

هنا تبدأ المشكلة، لأن المواطن لا يفصل دائما بين الموظف والمؤسسة.
قد يخرج من مكتب غاضبا من تصرف شخص واحد، لكنه يحمل غضبه معه إلى صورة أكبر:
«الإدارة لا تحترمني».
ومع تكرار التجارب، تتحول الجملة إلى:
«الدولة لا تسمعني».
وهنا يصبح الأمر خطيرا.
هناك حقيقة يجب أن تكون واضحة في أذهان الجميع:
المواطن الذي يقف أمام الإدارة لا يطلب صدقة، هو يمارس حقا.
يطلب وثيقة من حقه، يستفسر عن ملف، يضع طلبا، يسوي وضعية، يؤدي واجبا، أو ينتظر خدمة يفترض أن تقدمها له المؤسسة العمومية.
ولذلك، فإن ٱحترامه ليس: «تفضلا من الموظف».
«وتوضيح المسطرة ليس كرما».
«والإستماع إلى شكواه ليس مجاملة».
«والإبتسامة في وجهه ليست منة».
إنها كلها جزء من أخلاقيات المرفق العمومي.
وإذا كان المواطن يخطئ عندما يسيء إلى الموظف أو يتجاوز القانون، فإن الموظف أيضا ليس فوق المساءلة عندما يسيء إلى المواطن أو يستعمل سلطته بطريقة غير مهنية.
المعادلة بسيطة:
-المواطن يحترم القانون. -والإدارة تحترم المواطن.

ومن أكثر ما يرهق المواطن ليس دائما تعقيد المسطرة في حد ذاته، وإنما عدم وضوحها.
قد يذهب المواطن إلى الإدارة حاملا ملفه، فيقال له:
«إن وثيقة ما تنقصه».
يعود بالوثيقة، فيقال له:
«إن هناك وثيقة أخرى!».
ثم يعود مرة ثالثة ليكتشف أن الملف ٱنتقل إلى مصلحة أخرى، ثم يسمع:
«إرجع غدا».
يرجع غدا، فيبدأ فصل جديد من الحكاية…
وهكذا يتحول المواطن من صاحب حق إلى عدّاء بين المكاتب.

وقد تكون المسألة في النهاية مجرد توقيع أو ختم أو معلومة كان بالإمكان تقديمها له منذ البداية.
هذه ليست معاناة بسيطة، إنها ٱستنزاف للوقت والأعصاب والمال… والأخطر من ذلك أنها قد تزرع في نفس المواطن قناعة خطيرة:
أن القانون وحده لا يكفي.
ومن هنا تبدأ الواسطة في الظهور.
لنكن واضحين:
ليس كل موظف سيئا، وليس كل مواطن يبحث عن واسطة، وليس كل إدارة تعاني من الٱختلالات نفسها.
هناك موظفون نزهاء وشرفاء يعملون في ظروف صعبة، ويتعاملون مع المواطنين بكل ٱحترام، وهؤلاء يجب أن نضعهم في مكانهم الصحيح من التقدير والإحترام.
لكن، وجود الموظف النزيه لا يعني أن بعض الممارسات السلبية غير موجودة.
وحين يشعر المواطن بأن معرفة شخص داخل الإدارة قد تختصر عليه أسابيع من الٱنتظار، فإن المشكلة تصبح أكبر من مجرد تصرف فردي.
إنها تمس الثقة في تكافؤ الفرص.
فالقانون يفترض أن يقول للمواطن:
«إذا ٱستوفيت الشروط، ستحصل على حقك».
لكن إذا أصبح المواطن يعتقد أن هناك طريقين:
طريق القانون، وطريق «نعرف فلانا»، فإن الثقة تبدأ في الإنهيار.
وهنا لا نخسر فقط كفاءة الإدارة، بل نخسر شيئا أكثر أهمية (إيمان المواطن بأن الدولة عادلة).

ولنكن منصفين أيضا مع الموظف المغربي، فالموظف نفسه يحتاج إلى ظروف عمل أفضل، وتكوين مستمر، وحماية قانونية عندما يؤدي واجبه، وتقييم عادل لأدائه.
لكن الدفاع عن الموظف النزيه لا يعني الدفاع عن السلوك المسيء، بل العكس تماما.
حين نحارب السلوك الإداري السيئ، فإننا نحمي الموظف النزيه من أن تلتصق به صورة سيئة لا علاقة له بها.
وهنا تعود “سبتة” إلى الواجهة.
فإذا أردنا أن نفهم لماذا يفكر بعض المواطنين في مغادرة وطنهم، فعلينا ألا نبحث عن السبب في الراتب وحده.
هناك إنسان يريد المال.
وهناك إنسان يريد العمل.
وهناك إنسان يريد المستقبل.
لكن هناك أيضا إنسان يريد أن «يحترم».
وهذا النوع الأخير أكثر صعوبة في القياس.
– فكيف نقيس الإهانة؟
– كيف نقيس الإحباط؟
– كيف نقيس شعور رجل في الخامسة والستين عندما يقول لك إنه لو ٱستطاع صحيا لرحل؟
– كيف نحسب عدد المرات التي خرج فيها مواطن من إدارة وهو يشعر بأنه لا قيمة له؟

هذه الأشياء لا تظهر في الجداول، لكنها موجودة في النفوس.
وهنا نفهم لماذا كان مشهد “سبتة” مؤلما إلى هذه الدرجة…
حين يصبح المجهول أكثر جاذبية من الواقع، فهناك سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا.
ليس سؤالا لإدانة الوطن، بل سؤالا لإنقاذ الوطن.
فالدولة الإجتماعية لا تبدأ فقط من المستشفى والمدرسة والدعم الإجتماعي والمشاريع التنموية.
إنها تبدأ أيضا من مكان أصغر بكثير:
-من شباك الإدارة.
-من الطريقة التي يستقبل بها المواطن.
-من ٱحترام وقته.
-من وضوح المعلومة.
-من تبسيط المساطر.
-من رقمنة الخدمات بشكل حقيقي.
-من محاربة الواسطة.
-ومن ربط المسؤولية بالمحاسبة…
فالرقمنة وحدها لا تكفي، يمكن أن تكون لدينا إدارة إلكترونية متطورة، لكن المواطن يشعر فيها بالإهانة.
ويمكن أن تكون لدينا منصة رقمية جميلة، لكن المسطرة غامضة.
الإدارة الحديثة ليست فقط إدارة بلا ورق.. إنها إدارة بلا إذلال.
الإدارة يجب ألا تكون مكانا يخشاه المواطن.
يجب ألا يشعر الإنسان، بمجرد دخوله إلى مؤسسة عمومية، بأنه دخل إلى ٱمتحان لا يعرف أسئلته.
يجب أن تكون العلاقة واضحة:
«أنا مواطن، وهذه مؤسسة عمومية، والقانون يحدد حقوقي وواجباتي».
لا واسطة.
لا محسوبية.
لا إذلال.
لا مزاجية.
لا «تعال غدا» إذا كان بالإمكان إنجاز الأمر اليوم.
ولا «ليس من ٱختصاصي» دون أن يدل المواطن على الجهة المختصة.
فالعبارة الأخيرة، حين تقال بلا توجيه، لا تحل المشكلة، وإنما تنقل المشكلة من مكتب إلى مكتب.
وهنا نعود إلى نقطة المقال السابق.
«الكرامة ليست شيئا يمكن أن نؤجله إلى أن تتحسن الأوضاع الإقتصادية».
الإنسان يحتاج إلى العمل، نعم.
ويحتاج إلى السكن والصحة والتعليم، نعم.
لكنه يحتاج أيضا إلى أن يشعر بأنه إنسان له قيمة.
وهذا الشعور يبدأ من التفاصيل:
-من طريقة مخاطبته.
-من ٱحترام وقته.
–من الإنصات إليه.
-من عدم السخرية منه.
-من عدم معاملته كأنه جاهل أو مزعج.
-ومن عدم جعله يشعر بأن صاحب النفوذ أفضل منه.

قد يختلف الناس حول أسباب ما وقع في “سبتة”، وقد تختلف التحليلات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، لكن هناك حقيقة لا ينبغي الهروب منها:
«حين يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها أن الرحيل، بكل مخاطره، أفضل من البقاء، فهناك أزمة تستحق الإصغاء».
والأخطر أن يكون بين هؤلاء نساء وأطفال وذوو ٱحتياجات خاصة، وأن نجد رجلا في الخامسة والستين يقول لك إن المرض وحده منعه من التفكير في الرحيل.
هنا لا يكفي أن نقول:
– «لماذا هربوا؟»
بل علينا أن نسأل:
– «ماذا فعلنا حتى أصبح الهروب خيارا في أذهانهم؟»

ثم نسأل سؤالا أكثر إيلاما:
– «هل يشعر المواطن المغربي فعلا بأنه محترم داخل وطنه؟»
قد تكون الإجابة مختلفة من شخص إلى آخر، لكن مجرد وجود هذا السؤال يكفي لكي نفتح نقاشا وطنيا صريحا حول علاقتنا بالإدارة.
لا نريد مغربا يمنع أبناءه من الرحيل فقط.
-نريد مغربا لا يريد أبناؤه الرحيل عنه.
-نريد إدارة إذا دخلها المواطن خرج منها مرفوع الرأس.
-نريد موظفا يعرف أن وظيفته سلطة قانونية، وليست سلطة شخصية.
-نريد مواطنا يعرف أن حقه محفوظ بالقانون، وليس بحاجة إلى واسطة.
-نريد مؤسسة تحاسب المخطئ، وتحمي النزيه، وتكافئ المجتهد.
-نريد إدارة لا تجعل المواطن يكره اليوم الذي ٱضطر فيه إلى دخولها.
لأن الوطن لا يبنى فقط بالطرق والمشاريع والأرقام.
الوطن يبنى أيضا بالطريقة التي يشعر بها المواطن عندما يقف أمام شباك صغير في إدارة صغيرة.
هناك، في تلك اللحظة البسيطة، قد يكتشف المواطن أن الدولة قريبة منه، أو قد يشعر أنها بعيدة عنه أكثر مما ينبغي.
وهنا أعود إلى السؤال الذي طرحناه في المقال السابق:
– كيف نجعل المواطن لا يريد الهروب أصلا؟

ربما تبدأ الإجابة من مكان بسيط جدا:
«أن نجعله يشعر، كلما دخل إدارة من إدارات بلده، أنه دخل مؤسسة وجدت لخدمته… لا لٱختبار صبره».
فالمواطن لا يريد ٱمتيازات… يريد فقط أن يعامل كمواطن.
وهذه في حد ذاتها، ليست مطالبة كبيرة.. إنها أبسط حقوق الإنسان داخل وطنه.
ولك الله يا مغربي…

Comments (0)
Add Comment