نزيف المال العام على أربع عجلات!…

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

إذا كان الفساد الكبير يلتهم الملايير في صمت، فإن الفساد الصغير، حين يتكرر يوميا، يتحول إلى ثقافة تنخر هيبة الدولة وتستنزف المال العام.
ومن أبرز تجليات هذا الواقع، الٱستعمال غير المشروع لسيارات الدولة خارج أوقات العمل، وتحويلها إلى وسائل نقل شخصية وعائلية، وكأنها ملكيات خاصة لا علاقة لها بخزينة الشعب.

لم تعد سيارات الدولة تقتصر على أداء المهام الإدارية، بل أصبحت في حالات كثيرة وسيلة للتسوق، والتنقل العائلي، ونقل الأبناء، وقضاء الأغراض الشخصية، والسفر بين المدن، بل وحتى الإستمتاع بالعطل الأسبوعية والصيفية، في مشهد يثير أكثر من علامة ٱستفهام حول ٱحترام القانون وأخلاقيات الوظيفة العمومية.
ولا يقف العبث عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ٱرتكاب مخالفات مرورية لا يجرؤ كثير من المواطنين العاديين على ٱرتكابها… كالتوقف فوق الأرصفة، والركن في الأماكن الممنوعة، وٱحتلال ممرات الراجلين، وأحيانا الوقوف في مواقع تعرقل السير والجولان.
أما المثير للإستغراب أن هذه المخالفات تقع، في بعض الحالات، أمام أعين الجهات المكلفة بالمراقبة، دون أن يترتب عنها أي تدخل أو زجر، وهو ما يخلق لدى المواطن ٱنطباعا بوجود ٱزدواجية في تطبيق القانون.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
– من المسؤول عن هذا العبث؟
– هل المسؤول هو الموظف أو المسؤول الذي ٱستغل سيارة الدولة خارج الغرض الذي خصصت له؟
– أم رئيسه الإداري الذي لم يراقب كيفية ٱستعمال الممتلكات العمومية الموضوعة تحت مسؤوليته؟
– أم الجهة التي يفترض أن تتتبع حركة هذه السيارات وتراقب ٱستهلاكها للوقود وصيانتها وتنقلاتها؟
– أم الأجهزة المكلفة بتنفيذ القانون عندما تتهاون إن ثبت ذلك، في تطبيق مقتضيات مدونة السير على الجميع دون ٱستثناء؟

إن المسؤولية، في دولة القانون، لا تتوقف عند من يرتكب المخالفة، بل تمتد إلى كل من أهمل واجب المراقبة أو غض الطرف عن التجاوزات أو تقاعس عن تفعيل القانون متى كانت الظروف تستوجب ذلك، وفقا للمساطر القانونية الجاري بها العمل.
إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعارا سياسيا يرفع في المناسبات، بل هو قاعدة دستورية لا تكتمل إلا إذا خضع الجميع، دون ٱستثناء، للمساءلة القانونية والإدارية، سواء تعلق الأمر بمستعمل سيارة الدولة، أو المسؤول عن تدبير أسطول السيارات، أو كل جهة ثبت تقصيرها في حماية المال العام.
فالدولة التي تسمح بتحويل ممتلكاتها إلى ٱمتيازات شخصية، تفتح الباب أمام ثقافة الإفلات من العقاب، وتبعث برسالة سلبية إلى المواطن مفادها أن القانون يطبق على الضعفاء فقط.
لقد آن الأوان لإحداث قطيعة حقيقية مع هذه الممارسات، عبر ٱعتماد مراقبة إلكترونية لحركة سيارات الدولة، وإجراء افتحاصات دورية لٱستعمالها، ونشر معطيات شفافة حول أساطيل السيارات العمومية، وترتيب الجزاءات التأديبية والمالية والقانونية في حق كل من يثبت تجاوزه، دون ٱعتبار للصفة أو المنصب.

إن حماية المال العام ليست مسؤولية أجهزة الرقابة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الإدارة، وأجهزة المراقبة، والسلطات المكلفة بتنفيذ القانون، وكل مسؤول أو موظف أقسم على ٱحترام القانون وخدمة المصلحة العامة.
فحين تصبح سيارة الدولة خادمة للمواطن، لا خادمة للمصالح الشخصية، يمكن حينها الحديث عن إدارة تحترم نفسها، وعن دولة تجعل القانون فوق الجميع، لا إلى جانب البعض.

Comments (0)
Add Comment