✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في الدول التي تحترم مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يكون الفشل المهني بداية للمساءلة، أما عندنا، فيبدو أن الفشل قد يتحول أحيانا إلى شهادة خبرة تفتح أبواب مناصب جديدة!
آخر فصول هذه المفارقة، تعيين السيدة “لمياء الشاكيري” مديرة بالنيابة لمعهد المهن التمريضية وتقنيات الصحة بمراكش، بعد مسار أثار الكثير من الجدل خلال إشرافها على القطاع الصحي بجهة سوس ماسة، وهي المرحلة التي رافقتها ٱحتجاجات وٱنتقادات واسعة، وأحداث مؤلمة تناقلتها وسائل الإعلام، من بينها وفيات نساء حوامل وما رافقها من مطالب بفتح تحقيقات وترتيب المسؤوليات.
ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام مسبقة على شخص بعينه، فذلك من ٱختصاص المؤسسات المختصة، وإنما بطرح سؤال مشروع يهم كل المغاربة:
– ما هي المعايير الحقيقية التي تحكم التعيين في المناصب العمومية؟
إذا كان المسؤول يغادر منصبه بعد مرحلة مثيرة للجدل، فمن الطبيعي أن ينتظر الرأي العام نتائج التقييم أو المحاسبة، لا أن يفاجأ بتعيين جديد، وكأن شيئا لم يكن.
الأكثر إثارة للنقاش أن المعنية بالأمر تنتمي أيضا إلى (مجلس جهة مراكش آسفي) عن حزب “التجمع الوطني للأحرار”، وهو ما يجعل الرأي العام يتساءل، بحق، إن كانت الكفاءة وحدها هي التي تحسم هذه التعيينات، أم أن الإعتبارات السياسية لا تزال تلقي بظلالها على تدبير الشأن العام.
لقد أصبح المواطن المغربي أمام مشهد عبثي يصعب تفسيره، فكلما ٱرتفعت الأصوات المنتقدة لأداء مسؤول، ظهر بعد أشهر في منصب آخر، وكأن المناصب تتبادل أصحابها وفق قاعدة غير مكتوبة تقول:
«لا تقلق… إن غادرت هذا الكرسي، فهناك كرسي آخر ينتظرك!».
إن أخطر ما في هذه الممارسات، إن صحت قراءتها، ليس فقط إعادة تدوير المسؤولين، بل الرسالة السلبية التي تصل إلى الموظف المجتهد والكفاءات الوطنية الشابة، التي تؤمن بأن الإجتهاد والنزاهة هما طريق الترقية، قبل أن تصطدم بواقع يبعث على الإحباط.
المغاربة اليوم لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بمنطق بسيط:
«من نجح، يُكافأ.. ومن أخفق، يقيّم ويحاسب إن ثبت تقصيره».
أما أن يتحول الإعفاء إلى محطة عبور نحو مسؤولية جديدة، فذلك يفرغ شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من مضمونه، ويجعله مجرد عبارة جميلة تردد في الخطب الرسمية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابا من الجهات الوصية:
– هل نحن أمام تعيين مبني على تقييم موضوعي للكفاءة، أم أمام حلقة جديدة من مسلسل تدوير المسؤولين، الذي لم يعد يقنع حتى أكثر المتفائلين؟
ولعل المغاربة لم يعودوا يحتاجون إلى شعارات جديدة بقدر حاجتهم إلى رؤية واضحة تؤكد أن المناصب العمومية ليست مكافآت، بل مسؤوليات، وأن ثقة المواطن لا تبنى بتغيير الكراسي، بل بتغيير طريقة تدبيرها.